ANMELDENلم يتحرك طلال بعد جوابها.
بقيت عيناه عليها، فيما استقرت الرسالتان فوق المكتب بينهما. كان يستطيع أن يعود إلى أي سطر فيهما، لكن ديما شعرت أنه لم يعد يرى الكلمات. صار ينظر إليها كأنها طرحت سؤالًا لا ينبغي أن يُطرح أصلًا.
«لا تعرفين؟»
قالها ببطء.
أومأت، وأبقت يديها متشابكتين في حجرها.
«أعرف أنني زوجتك. لكنني لا أعرف إن كنت تريدني في حياتك، أم أنك اعتدت وجودي فقط.»
تحرك فكه.
«وما الفرق الذي تبحثين عنه؟»
رفعت عينيها إليه.
«أن تكون سعيدًا حين تراني. أن ترغب في الحديث معي، لا أن تنتظر حتى أنتهي كي تعود إلى عملك.»
مال إلى ظهر المقعد.
«أنت تقيسين عامين ببعض المواقف التي أغضبتك.»
«أكتب عن المواقف لأنني لا أستطيع أن أريك الأيام كلها.»
توقف نظره عند الرسالة الجديدة.
مدّ يده إلى طرفها، ثم تركه.
«لماذا لم أسمع هذا الكلام إلا بعد عودتك إلى المدرسة؟»
أحست ديما بوخزة ضيق.
«كنت أحاول قوله قبل المدرسة.»
«بهذه الطريقة؟»
«كنت أخشى أن أغضبك.»
نظر إليها نظرة جعلتها تشد أصابعها بعضها إلى بعض.
«وأنا الآن أجلس وأسمعك. لماذا تتحدثين كأنني لا أفعل؟»
كان يسمعها فعلًا. هذه أول مرة استطاعت فيها البقاء أمامه كل هذا الوقت، من دون أن يرن هاتفه أو ينهي الحديث.
لكنها لم تعرف كيف تشرح أن الإصغاء لا يُقاس بالدقائق وحدها.
قالت:
«لأنك تجيب عن الشيء الذي أخشاه، لا عن الشيء الذي أحاول قوله.»
ضاقت عيناه قليلًا.
«اشرحي.»
أخذت نفسًا بطيئًا.
«حين أقول إنني أشعر بالوحدة، تخبرني أن البيت لا ينقصه شيء. وحين أطلب القرب، تفعل ما فعلته عند الدرج. وحين أحب صورة تجمعنا، تقول لي إنها صورة للحفل.»
ظل ساكنًا.
لم تحاول ملء الصمت هذه المرة.
بعد قليل، قال:
«هل أردتِ أن أكذب عليك بشأن الصورة؟»
خفضت عينيها.
«لم أطلب منك أن تكذب.»
«إذن لا تحملي الأمور أكثر مما تحتمل.»
رفعت وجهها إليه.
«أنا أعرف كيف التُقطت. لكنني أحببتها، وهذا ليس خطأ.»
كان في صوتها شيء ثابت لم تتوقعه.
رأته يستقيم في مقعده.
«لم أقل إنه خطأ.»
«قلت ذلك بطريقة جعلتني أشعر بأنني سخيفة لأنني فرحت بها.»
نظر بعيدًا لحظة، ثم عاد إليها.
«لا أستطيع مراجعة كل كلمة أقولها حتى لا تزعجك.»
أحست أن الحديث بدأ ينزلق إلى المكان نفسه.
كلما حاولت أن تشرح وجعها، أصبحت مطالبة بإثبات أنها لا تبالغ فيه.
وضعت يدها فوق الأخرى حتى تخفي رجفة خفيفة في أصابعها.
«لا أطلب ذلك. أطلب أن تتذكر أنني أحبك، وأن كلامك يعني لي أكثر مما تظن.»
خرجت الجملة أخيرًا.
بقيت بينهما بلا حماية.
لم تضعها في رسالة، ولم تُخفها داخل حديث عن صورة أو عشاء.
طلال يعرف.
لكن قولها أمامه جعلها تشعر أنها تركت شيئًا ثمينًا على حافة المكتب، ولا تستطيع استعادته.
لم يتغير وجهه كما تمنت.
نظر إلى الرسالتين، ثم قال:
«ديما، أنا لم أقل إنني أريد إنهاء هذا الزواج.»
تعلقت عيناها به.
«هل هذا جوابك؟»
«هذا أمر ينبغي أن تفهميه قبل كل شيء.»
كان صوته حاسمًا، كأنه وضع نقطة يريد أن ينطلق منها الحديث.
أومأت ببطء.
«أفهم.»
«أنا ملتزم بك، وبما يترتب على هذا الزواج. لم أتركك تواجهين مشكلة وحدك، ولم أمنعك من الذهاب إلى أبيك، أو من العمل الذي اخترته.»
أرادت أن تقول إن بعض المشكلات لا تحتاج إلى مال أو إذن بالخروج. لكنها تعبت من محاولة توضيح ذلك بصيغ مختلفة.
سألته:
«وهل تريد أن نكون أفضل مما نحن عليه؟»
صمت لحظة.
ثم قال:
«أريد أن تكون حياتنا مستقرة.»
نظرت إلى الورقتين.
«وأنا أيضًا.»
لم يعرف، أو لم يشأ أن يعرف، كم اختلف معنى الكلمة بينهما.
مدّت ديما يدها إلى الرسالتين.
توقفت أصابعها قبل أن تلمسهما.
«هل آخذهما؟»
نظر طلال إلى يدها.
«اتركيهما.»
سحبتها إلى حجرها.
لم تسأله لماذا. كان جزء منها يريد أن يصدق أنه سيقرأهما مرة أخرى، وأن الكلمات ستصل إليه حين لا يكون مشغولًا بالدفاع عن نفسه.
نهضت.
تحرك طلال كأنه سيقول شيئًا، فتوقفت.
نظر إلى الساعة.
«تأخر الوقت. لديك عمل صباحًا.»
أومأت.
«نعم.»
وصلت إلى الباب، ثم التفتت إليه.
كانت عقدة التعب واضحة بين حاجبيه. لاحظت أنه ضغط أصابعه على جبهته مرتين في أثناء الحديث، وأن فنجان القهوة على مكتبه لم يُمسّ.
قالت:
«هل عاد الصداع؟»
رفع عينيه، وكأنه لم يتوقع السؤال.
«قليلًا.»
«هل تناولت العشاء؟»
«ليس بعد.»
نظرت إلى الساعة هي أيضًا.
كان الوقت قد تجاوز العاشرة.
«سأحضر لك شيئًا خفيفًا.»
قال:
«لا داعي.»
لكنها كانت تعرف أنه، إذا بقي في المكتب، سيشرب قهوة أخرى ويؤجل الطعام حتى ينساه.
«لن أتأخر.»
خرجت قبل أن يجيب.
في المطبخ، وقفت أمام الثلاجة لحظة.
كان في صدرها ألم لم يهدأ، وفي ذهنها عبارات تتكرر بصوته. ومع ذلك، أخرجت ما تعرف أنه يستطيع تناوله في هذه الساعة، ورتبت طبقًا صغيرًا.
لم تكن تفكر في الطعام بوصفه اعتذارًا.
لم تعتقد أنها أخطأت حين تحدثت.
لكن معرفتها بوجعها لم تُلغِ معرفتها بعاداته؛ إذا طال يومه نسي الأكل، وإذا اشتد الصداع لم يعد يحتمل روائح الطعام القوية.
أعدّت له الشاي الخفيف الذي يفضله.
وضعت ورقتي النعناع، ثم رفعت إحداهما لأنها كانت أكبر من المعتاد.
وقفت تتأمل الفنجان، وأحست فجأة بالتعب.
كانت تحفظ هذه الأشياء كلها.
لم تحتج إلى أن يكتبها لها، ولا إلى أن يشرحها كل مرة.
حملت الصينية إلى المكتب.
رفع طلال رأسه عندما طرقت الباب.
وضعت الطبق قربه، وأبعدت الفنجان عن الأوراق.
«تناول قليلًا قبل أن تكمل.»
نظر إلى الطعام، ثم إليها.
«قلت لك إنني لا أحتاج.»
«لم تتناول العشاء.»
لم يكن في جوابها إلحاح زائد، ولا محاولة لفتح الحديث مرة أخرى.
كانت حقيقة تعرفها، وفعلًا تستطيع أن تقوم به.
أخذ قطعة من الخبز.
بقيت حتى تناول أول لقمة، ثم قالت:
«تصبح على خير.»
ردّ بعد لحظة:
«وأنتِ كذلك.»
في الغرفة، جلست على طرف السرير.
لم تسأل نفسها لماذا ما تزال تهتم.
كانت تحبه، وكان الحب يظهر منها قبل أن تضع له قرارًا.
لكنها بدأت تفهم أن عنايتها به لا تستطيع أن تجيب نيابة عنه.
استيقظت قبل المنبّه.
بقيت دقائق تحت الغطاء، تتأمل الضوء الخافت حول الستائر. كان طلال نائمًا إلى جانبها، ووجهه نحو الجهة الأخرى.
نهضت بحذر.
فتحت خزانته، وأخرجت قميصًا أزرق فاتحًا يناسب البدلة التي اختارها مساء أمس. حين سوّت الكُم، لاحظت أن أحد الأزرار يكاد ينفصل.
أحضرت علبة الخياطة وجلست قرب النافذة.
ثبتت الزر بخيط قريب من لونه، ثم اختبرت تماسكه مرتين. بعد ذلك وضعت القميص مع البدلة، وأعادت الخيط والمقص إلى مكانهما.
في المطبخ، أعدّت الإفطار.
كانت تتحرك أسرع من المعتاد كي لا تتأخر عن المدرسة. وضعت الخبز والجبن، وجهزت القهوة، ثم تناولت لقيمات وهي واقفة قبل أن تتذكر أنها تحتاج إلى الجلوس هي أيضًا.
حين نزل طلال، كانت ترتب فنجانه.
جلس، ونظر إلى ساعته.
قالت:
«القهوة جاهزة.»
أومأ.
لاحظت أنه لم يزرر أحد كُمّيه، فاقتربت.
«الزر في الكُم الآخر كان مرتخيًا. ثبّتّه صباحًا.»
نظر إلى معصمه.
«لم ألاحظ.»
«كان سينفصل.»
مدّ ذراعه قليلًا حين أشارت إلى الكُم المفتوح.
ثبتت الزر، ثم تراجعت.
لم ترفع عينيها إلى وجهه إلا بعد أن انتهت. كانت تعرف أن قربها هذه المرة مختلف؛ لا تريد أن يختبر ارتباكها، ولا أن تتوهم معنى لحركة مألوفة.
قال طلال:
«متى تنتهين اليوم؟»
«في الثالثة.»
«أمي تريد أن نذهب إليها غدًا مساءً.»
رفعت رأسها.
«أخبرتك؟»
«اتصلت بالأمس.»
انتظرت إن كان سيضيف شيئًا.
تابع:
«رتبي وقتك على ذلك.»
«سأكون جاهزة.»
حملت حقيبتها، ثم نظرت إلى المائدة لتتأكد من أنها لم تنسَ شيئًا.
«هل تحتاج شيئًا قبل أن أذهب؟»
«لا.»
أومأت وغادرت.
في السيارة، فكرت في سؤالها الأخير.
لم يكن أحد يجبرها على طرحه.
لكنها تمنّت، ولو مرة، أن تسمع منه السؤال نفسه.
في المدرسة، انشغلت بمشكلة صغيرة منذ الحصة الأولى.
نسي أحد الأطفال دفتره، وحاول إخفاء الأمر بوضع كتاب القراءة على الطاولة. حين اقتربت منه، أخبرها أنه فقده، ثم قال بعد تردد إنه تركه في البيت.
جلست قربه.
«يمكننا العمل على ورقة اليوم.»
نظر إليها بريبة.
«لن تغضبي؟»
«سأطلب منك أن تحضره غدًا.»
«لكنني كذبت.»
توقفت ديما لحظة.
«نعم. ولهذا أريد أن تخبرني بالحقيقة من البداية.»
خفض رأسه.
«ظننت أنك ستغضبين.»
كان السؤال الذي يدور في ذهنها قريبًا جدًا من جوابه.
كم مرة قالت إنها بخير لتتجنب غضبًا أو ضيقًا؟
وكم مرة أخفت ما تريد، ثم توقعت من طلال أن يعرفه رغم ذلك؟
ناولته ورقة.
«سنصلح الأمر.»
عادت إلى السبورة، وهي تفكر أن حديث الأمس، على قسوته، كان خطوة لم تستطع أن تأخذها من قبل.
لم تحصل على الجواب الذي أرادته.
لكنها قالت السؤال كاملًا.
اتصلت والدة طلال في أثناء الاستراحة.
أجابت ديما بعد أن خرجت إلى الممر.
«مساء الغد مناسب لك؟»
«نعم. أخبرني طلال.»
«لا تتعبي نفسك في التحضير. تعالي معه فقط.»
«هل أحضر شيئًا؟»
«لا، كل شيء موجود.»
ترددت المرأة قليلًا، ثم سألت:
«كيف وجدته هذه الأيام؟ يبدو مشغولًا أكثر من المعتاد.»
نظرت ديما إلى النافذة المقابلة.
«لديه أمور كثيرة في الشركة.»
«هذا شأنه دائمًا. لا تجعلي العمل يأخذه من البيت.»
لم تعرف ديما كيف تجيب.
كان الطلب يبدو بسيطًا حين يأتي ممن لا يعرف كيف يُغلق باب المكتب أمامها.
قالت:
«أحاول أن أخفف عنه ما أستطيع.»
«أعرف أنك تهتمين به.»
جاءت العبارة دافئة، فهدأ شيء في صدرها.
ثم أضافت والدته:
«سنتحدث غدًا بهدوء. هناك أمور يجب ألا تبقى مؤجلة.»
نظرت ديما إلى هاتفها بعد انتهاء المكالمة.
لم تقل المرأة ما تقصده، لكن ديما تذكرت موعد العيادة الذي لم تحجزه.
كان الحديث يعود إليهما من أكثر من طريق، فيما بقي ما طلبته هي بلا جواب واضح.
عادت إلى البيت وجهزت العشاء قبل أن تبدأ مراجعة الدفاتر.
لم تعد تترك كل أعمالها إلى نهاية المساء. صارت ترتب وقتها كي يكون الطعام جاهزًا، وملابس اليوم التالي معدّة، ثم تمنح المدرسة ساعة لا تضطر خلالها إلى مراقبة الدرج.
وصل طلال أبكر قليلًا.
كانت في غرفة الجلوس، والقلم بين أصابعها.
رفع نظره إلى الطاولة.
«كثير من الدفاتر.»
«أنتهي منها اليوم حتى لا أعود بها غدًا بعد الزيارة.»
أومأ.
دخل ليبدّل ملابسه، ثم عاد إلى المائدة.
جلست معه.
تناولا الطعام في هدوء. سألها عن موعد المدرسة، وأخبرته عن نشاط قصير تخطط له في الأسبوع التالي. لم يكن كثير الأسئلة، لكنه لم يحمل هاتفه طوال الوقت.
أحست ديما بأنها تبدأ في انتظار إشارة جديدة.
نظرة، أو عبارة، أو أي شيء يخبرها أن الرسالة تركت أثرًا.
كرهت أنها لا تزال تفعل ذلك، لكنها لم تستطع إيقافه.
بعد العشاء، قال:
«قرأت ما كتبتِ مرة أخرى.»
توقفت يدها فوق الطبق.
رفعت رأسها.
كان جالسًا في مكانه، ينظر إليها بوجه مغلق.
«كل الرسالة؟»
«كلها.»
وضعت الطبق.
لم تتكلم.
قال:
«لا أريد أن تبقى بيننا مشكلة بسبب كلمة أو صورة.»
«ليست المشكلة في الصورة.»
«أعرف ما تقصدين.»
لم تكن متأكدة.
لكنها انتظرت.
استند إلى ظهر المقعد.
«أنت تريدين أن تكون علاقتنا مختلفة.»
«أريد أن يكون فيها مكان لي.»
«لك مكان.»
قالها بحزم.
«أنت زوجتي. لا ينبغي أن تحتاجي إلى تأكيد ذلك كل يوم.»
خفضت عينيها إلى المائدة.
كانت قد سمعت معنى قريبًا ليلة أمس. ثبات الصفة القانونية، واستمرار البيت، والالتزام الذي يراه واضحًا.
لكنها لم تكن تسأل عن اسم مكانها.
قالت:
«هل يصعب عليك أن تخبرني بما تشعر به نحوي؟»
سكت.
هذه المرة، لم يتجه إلى هاتفه، ولم ينظر إلى الساعة.
رأت في وجهه انغلاقًا لم تستطع أن تجد له مدخلًا.
قال أخيرًا:
«لن يفيدنا أن نحول كل شيء إلى حديث عن المشاعر.»
أحست قلبها يهبط ببطء.
«هذا ما نتحدث عنه أصلًا.»
نهض، فظنت أنه سيغادر.
لكنه بقي إلى جانب المقعد.
«أنا لم أتراجع عن زواجنا، يا ديما. ولا أطلب منك أن تكوني شخصًا آخر.»
رفعت عينيها إليه.
«لكن هل أنت راضٍ عن بقائي هكذا؟ أهتم بك، وأحبك، ولا أعرف إن كنت تعني أيًا من ذلك حين تكون معي؟»
اشتد وجهه.
«قلت لك إنني ملتزم بك.»
«وأنا أسألك عن شيء آخر.»
طال نظره إليها.
لم يكن غاضبًا بصوت مرتفع. كان غضبه في الطريقة التي شدّ بها يده على ظهر المقعد، وفي الصبر القليل الذي بقي في عينيه.
قال:
«لا تطلبي مني جوابًا لا أملكه.»
ظلت ديما ساكنة.
كانت هذه، للمرة الأولى، عبارة لا تستطيع أن تضيف إليها تفسيرًا مريحًا.
لم يقل إنه مشغول.
لم يقل إن الوقت غير مناسب.
نظر إليها، وأكمل ببرود:
«لم أعدك بقصة حب، يا ديما.»
لم تتحرك يدها عن المائدة.
تذكرت لقاءهما الأول، وسكوتها حين وافقت، وكيف اعتقدت أن الحب شيء يأتي بعد أن يتعلم شخصان الحياة معًا.
لم يعدها.
هذا صحيح.
لكنه رأى انتظارها طوال عامين، وعرف كيف تقرأ أبسط التفاتة منه، وتركها تفعل.
سألته بصوت خافت:
«وهل كنت تعرف أنني أنتظرها؟»
لم يجب.
ولم يعد في صمته، هذه المرة، ما تستطيع أن تتعلق به.
لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ
بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن
اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال
وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«
لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث
بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول







