LOGINلم تكن السيارة السوداء تشق طريقها نحو مختبر سري تحت الأرض كما تخيلت طوال الرحلة، بل توقفت أمام مشفى خاص ضخم تحيط به أسوار معدنية عالية وكاميرات مراقبة تتحرك ببطء فوق البوابات. بدا المكان هادئًا بشكل مرعب، هدوء لا يشبه المستشفيات الطبيعية، بل يشبه الأماكن التي تُخفى فيها الأسرار خلف الجدران البيضاء اللامعة.
انفتح باب السيارة بعنف، وقبل أن أستوعب ما يحدث، قبض والدي على ذراعي بقسوة وسحبني معه. شعرت بأصابعه تنغرس في جلدي كأنني مجرمة تحاول الهرب، لا ابنته التي تربت بين يديه. في الجهة الأخرى، كان الممرضون يهرعون نحو ياسين، يدفعون سريره بسرعة داخل المشفى بينما الأجهزة المتصلة بجسده تطلق أصواتًا حادة ومتقطعة. كان وجه ياسين شاحبًا بصورة مخيفة، شاحبًا لدرجة جعلته يبدو كجثة أكثر من كونه إنسانًا حيًا. صدره يرتفع وينخفض بصعوبة، وعيناه مغمضتان تمامًا، كأن جسده دخل حربًا لا يملك القوة ليستيقظ منها. داخل المدخل الرئيسي وقف رجل طويل يرتدي معطفًا أبيض ناصعًا. عرفته فورًا… الدكتور "منير". لم يكن في ملامحه أي شيء بشري؛ لا قلق، لا خوف، لا حتى تعاطف بسيط مع طفل يحتضر أمامه. كانت عيناه باردتين بطريقة جعلتني أشعر أنه يرى الناس كأرقام داخل ملفات، لا كبشر من لحم ودم. صرخ بصوت حاد: "أدخلوه الغرفة رقم أربعة فورًا!" ثم التفت نحوي ببطء، ونظر إليّ نظرة جعلت معدتي تنقبض. "أما أنتِ، فسنحتاج عينات دم منكِ حالًا قبل البدء بأي شيء." شعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهري. أدخلونا غرفة الفحص بسرعة. كانت الإضاءة البيضاء القوية تؤلم عيني، ورائحة المطهرات تخنق أنفاسي. كل شيء بدا باردًا… الجدران، الأجهزة، حتى الأشخاص الموجودون بالمكان. بدأ الدكتور منير يفحص ياسين بعجلة، بينما كانت الشاشات تومض بأرقام ورسومات لا أفهمها. فجأة تغير صوته. "مستوى الاستقرار ينخفض…" اقترب والدي بسرعة وسأله بحدة: "ماذا يعني هذا؟" ظل منير يحدق بالشاشة للحظات قبل أن يجيب بصوت منخفض لكنه متوتر: "هناك خلل… توازن المركبات داخل دمه اختل فجأة." تجمدت مكاني. أكمل وهو يراجع النتائج بسرعة: "المحلول الذي يُحقن به يبدو أنه نقص أو تغير تركيزه. الجسد بدأ يرفض المركبات النانوية. إذا أجرينا العملية الآن، سينهار كل شيء خلال ثوانٍ." شعرت بانتصار صغير جدًا يتحرك داخلي. إذًا ما فعلته نجح. المحلول الذي أفسدته في غرفة ياسين لم يكن مجرد حركة يائسة… لقد أوقف العملية فعلًا. لكن فرحتي ماتت فورًا عندما رفع منير رأسه وقال ببرود: "لكن لا يزال بإمكاننا تحضير التوافق الجيني. خذوا عينات الدم من ليال الآن." ثم أشار للممرضة: "جهزي الحقن." شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحتي. إذا أخذوا دمي الآن… سيكتشفون كل شيء. لا أعرف كيف، لكن داخلي كان يخبرني أن دمي ليس طبيعيًا بالنسبة لهم، وأن أي تحليل سيكشف شيئًا خطيرًا. بدأ قلبي يخفق بجنون، وحاولت التفكير بسرعة. كان عليّ أن أوقفهم… بأي طريقة. شعرت بجفاف شديد في حلقي، وفجأة بدأت فكرة مجنونة تتشكل داخل رأسي. رفعت عيني بصعوبة وقلت بصوت مرتجف: "أنا… عطشانة." رمقتني سمية بنفاد صبر وقالت بقسوة: "ليس وقت الدلع هذا، اصمتي." لكنني تشبثت بالفكرة كأنها طوق النجاة الأخير. تظاهرت بأنني أترنح، ثم أمسكت حافة السرير بقوة: "أرجوكم… أشعر أنني سأفقد الوعي." تنهد الدكتور منير بضيق: "أعطوها ماءً، لا نريد مشاكل إضافية." ذهبت الممرضة وعادت بكوب زجاجي كبير مليء بالماء البارد. أمسكتُه بيدي المرتجفتين عمدًا، بينما كانت سمية تقف خلفي تراقبني بملل وغضب. كنت أسمع نبضات قلبي داخل أذني. هذه فرصتي الوحيدة. رفعت الكوب ببطء… ثم تركته ينزلق من يدي متعمدة. تحطم الزجاج على الأرض بصوت حاد دوّى في الغرفة، وتناثرت الشظايا اللامعة في كل اتجاه. "يا لكِ من غبية!" صرخت سمية وهي تتقدم نحوي بعصبية. وفي اللحظة نفسها… اتخذت قراري. تعمدت أن أتعثر وأسقط بكل ثقلي فوق أكبر قطع الزجاج. في الثانية التي اخترق فيها الزجاج جلدي، شعرت بألم حارق مزق جسدي بالكامل. انغرزت إحدى الشظايا في ساعدي، بينما شقت أخرى جانب بطني بعمق. كان الألم عنيفًا لدرجة أنني لم أستطع حتى الصراخ في البداية. ثم خرجت مني صرخة حادة ملأت الغرفة. بدأت الفوضى فورًا. الممرضات يركضن، وسمية تصرخ بخوف، بينما الدكتور منير يلعن بغضب وهو يحاول إيقاف النزيف. رأيت الدم ينتشر فوق الأرض البيضاء بسرعة مرعبة، وشعرت بدوار شديد جعل كل شيء يتحول إلى ضباب أسود. ثم… اختفى العالم. لا أعرف كم من الوقت مر قبل أن أفتح عيني مجددًا. كنت ممددة فوق سرير صغير داخل غرفة جانبية هادئة. الضوء هنا أضعف، لكن الألم كان أقوى بكثير. شعرت بحرقة رهيبة في ذراعي وبطني، وعندما حاولت التحرك تأوهت دون وعي. كانت هناك ممرضة تنظف جروحي بصمت، ثم انتهت وغادرت الغرفة بسرعة، تاركة الباب مواربًا. ومن خلال الفتحة الصغيرة، بدأت أسمع الأصوات بالخارج. كان صوت والدي يرتجف بالغضب: "كيف حدث هذا؟! ياسين ينهار وليال تنزف!" رد الدكتور منير بعصبية واضحة: "ابنك في خطر لأن مستوى المركبات داخل دمه أصبح غير مستقر! هناك نقص مفاجئ في المحلول، وهذا يهدد بانهيار كامل للخلايا المعدلة." ثم صرخ فجأة: "ماذا فعلتِ يا سمية؟ هل أخطأتِ في الجرعة؟" انفجرت سمية بالبكاء: "أقسم أنني لم أفعل شيئًا! نفس العينة ونفس الجهاز! لابد أن ليال فعلت شيئًا… هي دخلت غرفته!" توقفت أنفاسي. إذًا هم بدأوا يشكون بي فعلًا. وفجأة، رن هاتف والدي. ساد الصمت للحظات قبل أن يرد بصوت متوتر: "نعم… كل شيء تحت السيطرة… الحالة مستقرة… سنبدأ قريبًا." لم أسمع صوت الطرف الآخر، لكنني فهمت فورًا أن المتصل ليس شخصًا عاديًا. كان والدي خائفًا. وحين أغلق الخط، انفجر في سمية: "بسبب فوضاكِ بدأ المختبر يطرح الأسئلة! إذا اكتشفوا أننا نفشل في السيطرة على العينات الحية، فسينهوننا جميعًا!" عينات حية… ترددت الكلمة داخل رأسي كصفعة قوية. لم يكونوا يروننا كبشر. ياسين ليس مريضًا… وأنا لست ابنتهما… نحن مجرد عينات داخل تجربة ضخمة. استندت إلى الحائط بصعوبة بينما الجروح تمزقني مع كل حركة، وبدأت الخيوط أخيرًا تتجمع داخل عقلي. المحاليل… المركبات… المراقبة… التجارب… لم يكن الأمر مجرد علاج، بل مشروع كامل تديره جهة أكبر من والدي ومنير. جهة تراقبنا عن بُعد وتقرر من يعيش ومن يموت. أما والدي… فلم يكن إلا حارسًا لهذه "العينات". شعرت بالغثيان. كل حياتي كانت كذبة. وفجأة، هربت مني شهقة بكاء مكتومة لم أستطع منعها من شدة الألم والصدمة. ساد الصمت بالخارج فورًا. توقفت أصواتهم تمامًا. ثم جاء صوت والدي منخفضًا ومخيفًا: "هل سمعتم ذلك؟" بدأ الباب ينفتح ببطء شديد. كنت عاجزة عن الحركة، ضعيفة، أنزف، وقلبي يرتجف داخل صدري… بينما أنيني كشف مكاني أخيرًا في قلب الجحيم.لم يتحرك أحد.بقيت الصورة معلّقة على الشاشة، مضيئة وسط الظلام.والد ليال.واقفًا كما لم تره من قبل.حيًّا.وبجانبه ذلك الرجل الغريب، ممسكًا بالمفتاح رقم 17.حدّقت ليال في الصورة، وشعرت بأن شيئًا في داخلها يحاول استعادة ذكرى وجهٍ لم تره منذ سنوات.قالت بصوت خافت:— من هذا؟لم يجب أحد.التفتت إلى سليم.كان شاحبًا.وللمرة الأولى منذ عرفته، رأت الخوف واضحًا في عينيه.— سليم... من هذا الرجل؟ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:— لم يكن من المفترض أن يظهر هنا.اقترب آدم من الشاشة.— أنت تعرفه؟رفع سليم عينيه إليه.— أعرفه... وأعرف أنك يفترض أن تعرفه أكثر مني.ساد الصمت.ابتلع آدم ريقه.— رأيته مرة واحدة فقط.— كاذب.جاء صوت الأم من خلفهم.استدار الجميع.كانت تقف عند مدخل المختبر، والملف القديم لا يزال مفتوحًا في يد ليال.قالت الأم:— لقد رآه أكثر من مرة.تجمّد آدم.— ليس من حقك أن تتحدثي.ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.— ولا يحق لك أن تتظاهر بأنك لم تكن جزءًا من البداية.نظرت ليال إلى الصورة مرة أخرى.— قلتِ إن أبي هو من بدأ المشروع.هزّت أمها رأسها ببطء.— قلت لك ما لم تكوني مستع
كانت الطائرة قد هبطت منذ أقل من ساعة.لكن ليال شعرت وكأنها عادت إلى زمن آخر.زمن لم تكن تتذكره بالكامل...أو ربما كانت تتذكره، لكنها ظلت تخاف من الاعتراف به.جلست داخل السيارة، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها.الهواء مختلف.الضوضاء مختلفة.حتى رائحة الشوارع بدت مألوفة بطريقة مؤلمة.قال آدم من المقعد الأمامي:"الإحداثيات تقود إلى قرية قريبة من مكان إقامتك القديمة."سألته ليال:"هل كنت تعرف هذا المكان؟"صمت.فقالت:"آدم."أجاب دون أن يلتفت:"كنت أعرفه من خلال والدك.""هل زرتَه من قبل؟""مرة واحدة.""متى؟""قبل الحريق."التفتت إليه بسرعة."ولماذا كنت هناك؟"نظر إلى سليم عبر المرآة."لأن والدك طلب مني أن أذهب."تدخل سليم:"لم يكن ذلك وقتًا مناسبًا للحديث."قالت ليال بحدة:"كل مرة تقولان فيها ذلك، أكتشف أن هناك شيئًا أخطر مما أخفيتماه."لم يرد أحد.كانت السيارة تسير في طريق ضيق تحيط به الأشجار والمنازل القديمة.ثم ظهرت أمامهم بوابة حديدية.توقفت السيارة.رفعت ليال رأسها.شعرت بصدمة مفاجئة.البوابة...كانت تعرفها.لم تتذكر من أين.لكن جسدها تذكر قبل عقلها.قال ياسين بصوت ضعيف:"هنا
لم تنطق ليال. كانت تحدق في الخريطة. المكان الذي عاشت فيه طفولتها. المكان الذي ظنت أنها تعرفه جيدًا. لكن الآن... لم تعد تثق حتى في ذكرياتها. قالت بصوت خافت: "أمي هناك." أجاب سليم: "على الأرجح." "ولماذا؟" نظر إلى الإحداثيات. "لأنها تعرف ما يوجد هناك." تدخل آدم: "وأنا أعرف شيئًا آخر." التفتت إليه. "ماذا؟" قال: "المكان الذي حددته الخريطة ليس بيتك." صمت قليلًا. "إنه مكان أقدم." سألت ليال: "أقدم من المشروع؟" هز رأسه. "أقدم من المنظمة نفسها." شعرت ليال بأن الأمر أصبح أكبر مما تخيلت. "إذن لماذا كان أبي يأخذني إلى هناك؟" توقف آدم. نظر إلى سليم. لكن سليم لم يتكلم. صرخت ليال: "ماذا تعرفان؟!" أجاب سليم أخيرًا: "والدك لم يأخذكِ إلى هناك." "ماذا؟" "أمك هي التي أخذتك." تجمدت. بدأت صورة قديمة تظهر في ذاكرتها. طريق طويل... سيارة سوداء... يد أمها وهي تمسك بيدها... وباب حديدي كبير. كانت تظن أنها زيارة عادية. لكنها الآن بدأت تتذكر. سألت: "كان هناك مبنى." قال سليم: "نعم." "وكنت أدخل إليه." "نعم." "لماذا؟"
لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بالباب.خطوات واحدة...هادئة.ثابتة.تقترب.قال سليم بصوت منخفض:"مهما حدث... لا تفتحي الباب."نظرت إليه ليال."أنت قلت إننا سنعرف من كان يطارد من.""نعم.""إذن دعه يدخل."رفع سليم عينيه إليها."ليال، أنتِ لا تعرفين آدم."أجابته بحدة:"وأنت تعرفه؟"لم يرد.فجأة...توقفت الخطوات أمام الباب.ثانية واحدة من الصمت.ثم ثلاث طرقات.طرق...طرق...طرق.جاء صوت من الخارج:"ليال."تجمدت.كان صوته.آدم.اقترب ياسين من ليال وهمس:"لا تفتحي."التفتت إليه."لماذا؟"نظر إلى الباب بخوف."لأنني أتذكره."توقف كل شيء داخلها."ماذا تتذكر؟"رفع ياسين يده إلى رأسه."المختبر..."ثم أغمض عينيه."أبي كان يصرخ."سألته ليال:"والدك؟""والدك أنتِ."نظر إلى سليم."كان يصرخ عليه."تغير وجه سليم.ثم قال:"ياسين..."لكن ياسين أكمل:"وكان آدم هناك."ساد الصمت.من خلف الباب، قال آدم:"أعرف أنكم تسمعونني."ثم أضاف:"وأعرف أن سليم أخبركم أشياء كثيرة."نظر سليم إلى ليال."لا تستمعي إليه."لكن آدم تابع:"لكنه لم يخبركِ عن الليلة الأخيرة."شعرت ليال بأن قلبها توقف.الليلة الأخيرة.ليلة اخت
لم تتحرك ليال.بقيت واقفة أمام سليم، تحدق في عينيه، بينما كانت كلمات ياسين الأخيرة تتردد في رأسها."رأيته مع أبي."لم يكن الأمر مجرد ذكرى عابرة.كان ياسين يعرفه.وسليم كان يعرف والدها.لكن السؤال الذي لم تستطع ليال تجاهله كان أبسط من كل ذلك:لماذا أخفى عنها الحقيقة؟قالت بصوت منخفض:"أريد أن أعرف ماذا حدث في ذلك اليوم."لم يجب سليم.اقتربت خطوة."اليوم الذي رأيت فيه أبي."صمت."ماذا حدث؟"رفع سليم عينيه إليها.بدا وكأنه اتخذ قرارًا لم يكن يريد اتخاذه.قال:"والدك لم يختفِ."تجمدت ليال."ماذا؟""كان حيًا عندما غادر المختبر."شعرت بأن أنفاسها توقفت."أنت متأكد؟"أومأ."كنت معه.""إلى أين ذهب؟"خفض سليم رأسه."إلى المكان الذي أخفى فيه الملف."اشتدت ملامح ليال."أي ملف؟"لم يجب.صرخت:"أي ملف يا سليم؟!"التفت ياسين إليهما بقلق.لكن سليم ظل هادئًا."الملف الأصلي.""الذي يحتوي على كل شيء.""أسماء المشاركين.""نتائج التجارب.""والأشخاص الذين موّلوا المشروع."صمت لحظة.ثم أضاف:"والدك لم يكن يحاول إنقاذ نفسه.""كان يحاول إسقاط المنظمة بالكامل."شعرت ليال بقشعريرة."ولماذا لم يفعل؟"نظر إليها.
لم تستطع ليال أن تتحرك.كان الرجل يقف أمامها.لم يعد وجهه مجرد صورة قديمة في ذاكرتها.ولم يعد صوتًا خرج من تسجيل مجهول.كان هنا.أمامها.حيًا.حقيقيًا.والدها.سقط الملف من يدها، وارتطم بالأرض بصوت خافت.لكنها لم تسمعه.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.اقترب الرجل خطوة."ليال..."تراجعت إلى الخلف.رفعت المسدس نحوه.ارتجفت يدها."لا تقترب."توقف.لم يحاول الدفاع عن نفسه.لم يطلب منها أن تخفض السلاح.فقط نظر إليها.وكان في عينيه شيء جعلها أكثر ارتباكًا.الحزن.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي."ضحكت ليال بمرارة."كنت تعرف؟""كنت تعرف أنني سأبحث عنك؟"أومأ."نعم.""وكنت تعرف أنني سأكبر وأنا أعتقد أنك ميت؟"خفض رأسه."نعم."اشتعل الغضب في عينيها."إذن لماذا؟"لم يجب.اقتربت خطوة."لماذا تركتني؟"ظل صامتًا."لماذا تركت أمي تفعل كل ما فعلته؟"ارتجفت نبرتها."لماذا تركتني أعيش سنوات وأنا لا أعرف حتى من أنا؟"رفع عينيه إليها.وقال:"لأن بقائي بجانبك كان سيقتلك."تجمدت."ماذا؟""لو عرفوا أنك ابنتي..."توقف لحظة."لكنتِ أصبحتِ هدفهم منذ اليوم الأول."قالت:"لكني كنت هدفهم بالفعل."أ
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.