LOGINتوقفت ليلى عن الحركة تماماً، ووضعت يدها داخل طيات عباءتها، لتخرج خنجر قاسم، ذلك الخنجر الذي كان شاهدًا على عهود العشق والجبروت، والذي كان نصله يعكس ضوء الشمس المائل بحدةٍ تجرح العيون. كان الخنجر يتميز بنقوشٍ عربيةٍ عتيقة على مقبضه الفضي، وقد وُضع عليه ختم "الراوي" الذي لا يخطئه خبير. تقدمت ليلى بخطواتٍ واثقة، رغم أن دقات قلبها كانت تعزف إيقاعاً متسارعاً من القلق الممزوج بالأمل، وتوقفت أمام زعيم حراس الجبل، الرجل الذي بدا وكأنه نُحت من صخور الجبل نفسه؛ ببشرته السمراء المحروقة، ولحيته البيضاء التي تتدلى كخيوط الحرير الخشن، وعينين تبدوان وكأنهما قرأتا في كتاب التاريخ ما لم يقرأه بشر.
ساد صمتٌ مطبق على المكان، وكأن رياح الجبل توقفت عن الهبوب احتراماً للموقف. مدت ليلى يدها ببطء، ممسكةً بالخنجر من مقبضه، ليبرز النصل أمام عيني الزعيم. التقط الزعيم الخنجر بيده المرتجفة قليلاً، وكأنما يلمس قطعةً من روحه الضائعة. لمس النقوش بأصابعه، ثم رفع عينيه اللتين غشيهما ضبابٌ من الذكريات، ونظر إلى ليلى نظرةً اخترقت روحها، نظرةً جعلتها تشعر وكأنها خضعت لاستجوابٍ صامتٍ عن كل ذرة حب وعزة نفس في أعماقها. سقط الخنجر من يد الزعيم بخفةٍ على الأرض، ليس استخفافاً، بل تقديراً، ثم انحنى الزعيم بجسده الضخم انحناءةً كاملة، ووضع يده على صدره في إشارةٍ واضحة للولاء، وهي الحركة التي جعلت "سليم" يتراجع خطوةً للخلف بذهول، مدركاً أن ليلى لم تقف فقط أمام "رجل"، بل وقفت أمام "رمزٍ" كان يحمي أسرار الجبل منذ زمنٍ سحيق. قال الزعيم بصوتٍ عميق، أشبه بحفيف الرياح في الكهوف السحيقة: "ما ظننتُ أنني سأرى هذا النصل يعود إلى الجبل في حياةِ سلطانةٍ بهذه القوة.. أنتِ لا تحملين فقط خنجر السلطان، أنتِ تحملين في عينيكِ النار التي أحرقت قلبه ليعود إلينا". صمت قليلاً، ثم اقترب منها خطوة، ونظر خلفها نحو الفراغ، وقال بنبرةٍ تقطر بالأسى: "قاسم دخل البوابة منذ شموسٍ مضت، لكنه لم يخرج منها كما دخل. البوابة لا تكتفي بـ اختطاف الجسد، بل تنهش في الذاكرة، وتمتحن صمود النفس. لقد دخلها السلطان وهو يظن أنه يحمي أرضه، لكنه الآن في مواجهة مع ماضيه، مع الأشباح التي دفنها في أعماق نفسه، وهو الآن في صراعٍ لا يعلمه إلا الله، هل سيعود سلطاناً كما عرفناه، أم سيظل أسيراً لماضٍ لم يرحمه؟". شعرت ليلى وكأن الأرض تميد تحت قدميها. لم تكن الكلمات مجرد تحذير، بل كانت طعنةً في كبريائها كزوجةٍ كانت تظن أنها تعرف قاسم كما تعرف نفسها. نظرت إلى سليم الذي بدا عليه الوجوم، ثم نظرت إلى قمة الجبل التي بدأت تكتسي بضبابٍ رماديٍ كثيف، وقالت بصوتٍ ملؤه الصمود الذي يغطي على وجعها: "قاسم ما ماتش، وقاسم ما ينكسرش. لو كان الماضي هو العدو، فـ أنا هكون الدرع اللي يحميه منه. قولي يا زعيم، فين طريق البوابة؟ وكيف أوصل لـ روحه قبل ما يغرق في ضباب ذكرياته؟". بدأ الزعيم في رسم خريطةٍ على الأرض بأصابعه الخشنة، موضحاً مساراً غير مرئي للعين، طريقاً لا يمر عبر الصخور، بل عبر "الصدق". كانت ليلى تستمع لكل كلمة، تنقشها في ذاكرتها بحروفٍ من نور، بينما كانت الرومانسية في هذا المشهد تكمن في ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين "تضحيتها" وبين "وفاء قاسم". كانت تعلم أنها ليست ذاهبةً لإنقاذ ملكٍ، بل ذاهبةً لإنقاذ حبٍّ هو أغلى ما تملك في هذا الوجود. وقبل أن تتحرك، التفتت للزعيم وقالت بصلابة: "لو كان الثمن هو روحي، فأنا قبلت.. المهم السلطان يرجع لـ عرينه، وبـ قلبه اللي أنا حبيته". انطلق الزعيم يوجهها نحو مدخلٍ سريّ مغطى بشجيراتٍ برية، وأشار إلى ليلى بأن تترك خنجر قاسم عنده كـ "أمانة" حتى تعود، لكنها رفضت بابتسامةٍ باردة، وقالت: "الخنجر ده هو اللي هينور لي الطريق، وهو اللي هيفكر قاسم بـ عهده ليا". تلاقت نظراتها مع سليم، الذي أدرك أن أخته في الروح قد اتخذت قرارها، وأنه لا بديل عن المضي قدماً في ذلك الطريق المظلم، ليس بصفته عسكرياً، بل بصفته رفيقاً لـ وردةٍ قررت أن تواجه الجحيم لتعيد عطرها إلى موطنه الأصلي. وبينما كانا يخطوان خطواتهما الأولى داخل الممر المظلم، أطلق الزعيم صرخةً عالية في الجبل، وكأنها نذيرٌ لكل الأرواح هناك بأن "الوردة قد وصلت، وأن السلطان يجب أن يتهيأ للمواجهة الكبرى". كان الجو مشحوناً بالمؤامرات الخفية، حيث أن أشباح الماضي في الجبل بدأت تهمس في أذني ليلى، تحاول إضعاف عزيمتها، لكنها كانت تزيد من سرعة خطاها، وكلما فكرت في قاسم، تزايدت في قلبها نارُ العشق التي كانت تحرق أي شكٍ يراودها. كانت ليلى تدرك أن هذا الطريق هو طريق لا رجعة فيه، طريقاً سيعيد كتابة تاريخ الراوي، ويؤكد للعالم أن الحب في الصعيد ليس مجرد عاطفة، بل هو قوةٌ خارقة تزلزل الجبال وتفتح أبواب المستحيل. كانت رائحة الأرض الرطبة في الكهف تذكرها برائحة التبغ الصعيدي في خيمة قاسم، وفي تلك اللحظة، أغمضت عينيها وتخيلت يده في يدها، وأدركت أن "السلام النفسي" لقاسم الذي يبحث عنه الزعيم، لن يجده إلا في أحضانها. كانت ليلى تسير بقوة، ليس فقط لتلتقي به، بل لتكون هي المرآة التي يرى فيها قاسم حقيقته، ليعرف أن كل معاركه في ماضيه كانت مجرد مقدمة لـ حبهما الجارف. وفي أعماق الكهف، بدأ الضوء الأزرق الغامض يظهر من جديد، ولكن هذه المرة كان ينبض بإيقاع قلبٍ بشري، إيقاعٍ عرفته ليلى جيداً، إيقاع قلب قاسم الراوي، الذي كان لا يزال ينبض في مكانٍ ما، ينتظر من يكسر قيد صمته، وينتظر من يهمس في أذنه بـ "أنا هنا، يا سلطان، ارجع لـ دارك". أسرعت ليلى الخطى، وسليم يتبعها في صمتٍ موحي، وكأن العالم بأسره توقف عن الدوران، تاركاً لهم المجال ليخوضوا معركتهم الأخيرة ضد أوهام الماضي، في سبيل أن يعود السلطان لـ سلطانه، والوردة لـ عبيرها الذي لا يُشم إلا في عرينه... كانت الكهوف التي ولجا إليها أبعد ما تكون عن كونها مجرد تجاويف صخرية باردة؛ بل بدت كأنها كنيسة سرية للتاريخ، أو ربما "سِفرٌ" مفتوحٌ من الحجر الصوان الذي يحكي مآسي وأمجاد من سبقوا من آل الراوي. بمجرد أن تخطت قدما ليلى عتبة المدخل، شعرت بتغيرٍ مفاجئ في الضغط الجوي، حيث ثقل الهواء بعبقٍ من البخور الذي لم تشمه من قبل، بخورٍ يحمل رائحة التاريخ المنسي، وكأن الجبل يتنفس أنفاساً تعود لألف عام. استل سليم كشافاً ضوئياً قوياً، وبدأ يحرك الضوء على الجدران العالية، لتنبثق من بين الظلال رسومٌ محفورة بدقةٍ متناهية. كانت النقوش تروي قصة المعارك القديمة، حيث صور الأجداد بملابسهم الصعيدية الأصيلة، يقفون صفاً واحداً ضد غزاةٍ مجهولين، وكل نقشٍ كان يظهر "الخنجر" ذاته الذي تحمله ليلى الآن، كأنه رمزٌ للسيادة والعهد. توقفت ليلى أمام نقشٍ يصور فارساً يقف على قمة الجبل، ملامحه كانت نسخةً طبق الأصل من قاسم، وبجانبه امرأةٌ تمد يدها لتسلمه شعلةً من ضياء. دمعت عيناها وهي تلمس صخرة النقش، شعرت ببرودةٍ تسري في أصابعها، وكأنها تلمس يد قاسم نفسه. ـ "شوف يا سليم.." همست ليلى، وصوتها يتشكل كوشوشةٍ خافتة في أرجاء المكان. "الرسومات دي مش مجرد تزيين، دي بتوصف لحظة العهد الأول. شايف إزاي الفارس باصص لـ الأفق؟ قاسم كان هنا.. أنا حاسة بـ وجوده في كل ركن. صدى أنفاسه لسه محبوس جوه الشقوق دي، وريحة تبغه الصعيدي لسه معلقة في هواء المكان، وكأن المكان ده مش مجرد طريق، ده امتداد لـ روحه." سليم، الذي كان يتابع الرسوم بتركيزٍ عسكريّ، اقترب من نقشٍ آخر يصور انقسام الجبل، وقال بنبرةٍ جادة: "هنا التاريخ اتغير، يا ليلى. الأجداد دول ماكانوش بس بيحاربوا عشان أرض، كانوا بيحاربوا عشان يمنعوا حاجة أخطر. بصي على النقش ده، الرسوم دي بتوريهم وهما بيدفنوا 'شيء' تحت الأرض، شيء خايفين يقع في إيد الغريب. يمكن قاسم ما تهش، يمكن هو بيواجه السر اللي الأجداد سابوه عشان ماحدش يعرفه." مشت ليلى بخطواتٍ بطيئة، كانت تتجاوز المنحدرات الصخرية ببراعة، قلبها كان يمليه عليها الاتجاه. في كل خطوة، كان إحساسها بـ قاسم يتصاعد؛ كانت تشعر به في وخزاتٍ خفيفة في قلبها، في الرعشة التي تسري في يديها كلما مررتها على جدارٍ صخري. كانت تنادي عليه في سرها، "قاسم، أنا جيت.."، لكن المكان كان يبتلع صوتها. الكهف كان يزداد عمقاً وضيقاً، والضوء الأزرق الخافت الذي بدأ يظهر من بين التشققات الصخرية البعيدة كان يزداد قوة، وكأنه ينبض كقلبٍ بشري. ـ "سكت، يا سليم،" قالت ليلى وهي تضع يدها على كتفه لتوقفه. ساد صمتٌ خانق، صمتٌ لدرجة أنها كانت تسمع دقات قلبها المرتجف. "أنا مش سامعة صوته.. الصمت هنا مش طبيعي. زي ما يكون الجبل بيحاول يداري عليه، أو بيحاول يمنع أي حد إنه يوصل لـ روحه." ـ "أنا معاكِ، ليلى،" رد سليم، وقد وضع يده على مقبض سلاحه، "الكهوف دي بتغير إدراك الإنسان للوقت والمسافة. لازم نفضل جنب بعض. لو قاسم في المكان ده، يبقى هو بيواجه اختبار أجدادنا، والرسومات دي هي اللي هتقولنا الطريق." استمرت ليلى في السير، كانت تلمس الجدران، وتتحسس حكايات الجد والعهد، كانت تبحث في كل رسمٍ عن ملامح قاسم، عن نظرة عينيه، عن عناده الذي لا يلين. وفي لحظةٍ ما، توقفت عند رسمٍ يصور رجلاً يصارع ظلَّه في كهفٍ مماثل. تجمدت ليلى؛ كان الرجل في النقش يرتدي نفس القلادة التي أهداها قاسم لها في يوم زفافهما. شهقت ليلى بقوة، ودفعت سليم ليقترب بالضوء. ـ "دي مش مجرد قصة أجداد يا سليم،" قالت بصوتٍ متهدج، "دي قصة قاسم.. قصة رحلته هو في المكان ده. قاسم كان هنا، قاسم شاف الرسومات دي قبلنا، وممكن يكون ساب لنا إشارة." بدأت ليلى في مسح الغبار عن الجدار المحيط بالرسم، ووجدت خربشاتٍ جديدة، لم تكن قديمة كباقي الرسوم، بل كانت طازجة، كانت خربشاتٍ صنعها "خنجر" بوضوح. كان مكتوباً على الصخر بخطٍ قاسم القوي والحازم: "الوردة اللي في قلبي هي البوصلة الوحيدة.. ما تتبعوش الخيال، اتبعوا النبض." تراجعت ليلى خطوة، وقد شعرت بغصةٍ في حلقها. النبض؟ لم تكن تفهم ماذا يقصد، لكنها أغمضت عينيها، وضعت يدها على صدرها حيث تضطرب دقات قلبها، وحاولت أن تجعل دقات قلبها هي الدليل. في تلك اللحظة، شعرت بذبذبةٍ غريبة في الهواء، ذبذبةٌ ليست ذبذبة صخر، بل هي ذبذبة "نبضٍ" آخر يتجاوب مع قلبها من وراء الجدار الصخري الصامت. ـ "هناك،" أشارت ليلى نحو جدارٍ بدا صامتاً لا يفتح لأي إنسان، "النبض طالع من هنا، يا سليم. قاسم موجود ورا الجدار ده، بس الطريق لـ روحه محتاج أكتر من مجرد قوة.. محتاج إيمان." بدأ الجدار يرتجف تحت لمسات ليلى، وبدأ الرسم الذي يحمل ملامح قاسم يتوهج بضوءٍ ذهبيٍّ دافئ، ضوءٌ لم يره أحدٌ في هذا الجبل منذ عهود. سليم نظر للضوء بدهشة، وسحب سلاحه، ليس للدفاع، بل استعداداً لما سيكشفه لهم هذا النور. كانت الرومانسية في هذا المشهد تكمن في ذلك الرباط الذي يتحدى صمت التاريخ، في تلك الوردة التي ترفض أن يبتلعها النسيان، وفي السلطان الذي يترك بصماته على جدران الزمن، منتظراً من يفهم "لغة النبض" ليعيده إلى عرينه. غمر الضوء الكهفَ بالكامل، وبدأت الجدران الصخرية تتداخل وتتلاشى، ليظهر لهم طريقٌ طويلٌ مظلم، لا يضيئه سوى ذلك الضوء الذهبي الذي ينبعث من خنجر ليلى، الذي أصبح يتوهج بجانب قلبها. ـ "أنا جاية يا قاسم،" همست ليلى وهي تتقدم نحو الضوء، "لو الجبل ده كله تحديات، أنا هحرق كل صخرة تقف في طريقي لـ قلبك." سليم لم يقل شيئاً، لكنه أدرك أن ما يحدث هو أعظم من مجرد قصة عائلة، هو عهدٌ أزليّ لا يملك فيه إلا أن يكون شاهداً عليه. تقدما معاً نحو المجهول، تاركين خلفهما تاريخ الأجداد، ليدخلا في قلب الحقيقة، حيث قاسم ينتظر، في قلب ذلك الكهف الذي لا يعرفه غير العشاق، أولئك الذين يملكون "البوصلة" التي لا يضل صاحبها أبداً. كانت الرحلة لا تزال في بدايتها، والمؤامرات التي حيكت ضد هذه العائلة بدأت تتهاوى أمام سطوة هذا الحب، الذي أثبت أنه أقوى من الصخور، وأبقى من التاريخ، وأصدق من كل وعود الغدر التي حاولوا بها محو اسم "الراوي" من وجه الأرض...التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا
كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟







