Compartir

محاكمة السلطان

last update Fecha de publicación: 2026-06-07 05:03:19

استفاق "قاسم الراوي" من غيبوبته الزمنية ليجد نفسه في فضاءٍ لا يحده بصر، فضاءٍ يمتزج فيه ضبابُ الأزل ببريقِ الحاضر. كان المكان عبارة عن قاعةٍ رحبةٍ جدرانها من صوانٍ أسود صُقلَ عبر دهورٍ من العزلة، وفي صدرِ القاعة، على مقاعدَ منحوتة من جذوع شجرِ جميزٍ عتيق، جلس سبعةُ رجالٍ يرتدون جلاليبَ صعيديةً من الكتان الخشن، مطرزة بخيوطٍ تبدو وكأنها ضوءُ النجوم، وجوههم محفورةٌ بتضاريس الجبل، ولحاهم البيضاء تنسدل كأنها شلالاتُ حكمةٍ لا تنضب. هؤلاء كانوا "حكماء العهد"، حراس أسرار الراوي الذين لا تدركهم العين البشرية إلا في لحظاتِ الحسم.

وقف قاسم بوسط القاعة، جسده العاري إلا من آثارِ معارك الجبل، عضلاته المشدودة تنبض بقوةٍ لا تعرف الوهن. لم يكن خائفاً، بل كان واقِفاً وقفةَ الجبلِ الذي لا تهزه ريح. تقدم أكبر الحكماء سناً، وكان صوته أشبه بوقعِ الخطواتِ على أرضِ مغارةٍ سحيقة: "يا ولد الراوي.. يا مَن حملتَ العهدَ وكسرتَ القيد، لقد أتينا بك لتمتحن. النجعُ يا قاسم أمانة، والوردةُ اللي عشقتها هي قيدُك في دنيا البشر.. فإذا أردتَ النجاةَ والعودةَ للعرين، فعليك أن تختار. هل تضحي بالنجع، بدم أهلك، وبأرض أجدادك.. في سبيل أن تعود لـ وردتك، لـ ليلى، وتعيش معها في بقعةٍ من الأرض لا يطالها غدرٌ ولا مؤامرة؟".

سادَ صمتٌ ثقيلٌ كأنه دهور، ثم زأر قاسم بصوته الصعيدي الجهوري الذي هز أركان الفراغ، صوتاً لم يعهد الحكماءُ مثله من قبل، صوتاً يحمل عبق البارود وشموخ النخيل:

ـ "بتسألوني أضحي بإيه يا أهل الحكمة؟ بتخيروني بين روحي وبين دمي؟! وردتي مش مجرد امرأة، وردتي هي النجع بحاله! هي الروح اللي بتدب في نجع الراوي، هي العقل اللي بيفكر بـ عدل، والقلب اللي بيحضن الغلبان. سألتوني أختار؟ أنا مانيش بـ أختار بين حتة مني وحتة تانية، النجع من غير ليلى جثة من غير روح، وليلى من غير النجع وردة في صحرا قاحلة ما تليقش بـ جمالها. أنتم فاكرين السلطان بيختار؟ السلطان بيحمي الكل، والسلطان بيحب الكل، والعهد اللي في رقبتي هو العهد اللي بيجمع الكل!"

تقدم حكيمٌ آخر، يلمع في عينيه بريقٌ من الاختبار القاسي، وقال بنبرةٍ لا تعرف اللين: "الوردة يا قاسم نقطة ضعفك، والنجع نقطة قوتك. المنظمة، والسيوفي، وكل أعداء الراوي.. كلهم بيحاولوا يكسروك من خلال ليلى. لو فضلت متمسك بـ حبك ليها، النجع هيدفع التمن، وهتتفرق العيلة، وهيبقى اسم الراوي أثر بعد عين. تضحي بـ ليلى، وتضمن بقاء النجع شامخ.. ده الطريق الوحيد!".

توهجت عينا قاسم كجمرتين في ليلةٍ شاتية، وخطا خطوةً هجوميةً نحو الحكماء، قبضة يده كانت ترتجف من الغضب، لكن صوته ظل رزيناً كقائدٍ يقود جيشه في أشد المعارك:

ـ "يا أهل الحكمة.. أنتم عشتوا في الجبل، وشفتوا الأجداد وهما بيحفروا الأرض بـ ضوافرهم. النجع ده مش طوب وحجر، النجع ده كرامة. والكرامة ما بتتجزأش! إيه قيمة النجع لو صانوا أرضه وداسوا على عرضي؟ وإيه قيمة النجع لو قعدت فيه ملك وأنا مكسور في قلبي؟ وردتي هي النجع، والنجع هو كرامتي.. أنا ما بختارش، أنا بفرض كلمتي! اللي يلمس شعرة من وردتي، ع يواجه قاسم الراوي بـ كل اللي يملكه، واللي يطمع في ذرة من أرضي، ع يعرف إن قاسم الراوي بيحمي أرضه بـ روح اللي بيحبها. أنا لا هضحي بـ النجع، ولا هضحي بـ ليلى.. أنا هحمي الاتنين، وهحرق كل مين يفكر يفرق بينهم واصل!"

ارتجفت القاعة من قوة نبرته، وتطايرت شراراتٌ من أرضيتها وكأن الجبل يوافق على كلامه. بدا الحكماء وكأنهم في حالةٍ من الذهول، فليس من عادتهم أن يواجههم أحدٌ بهذا العنفوانِ الصعيدي الأصيل. كان قاسم يصف، في كل كلمةٍ ينطقها، صورةً لليلى، تلك الوردة التي لم تكن يوماً نقطة ضعفه، بل كانت هي "المحرك" لكونه بطلاً، هي التي جعلت "السلطان" يخرج من أعماق قاسم ليبني، وليحمي، وليعشق.

ـ "أنا هنا عشان أرجع لـ ليلى، وعشان أرجع لـ نجعنا، بـ كبريائي كامل، وبـ شرفي مصان." تابع قاسم، وصوته يمتلئ بالحنين والوعيد في آنٍ واحد، واصفاً ليلى بكلماتٍ تفيض رقةً وحباً، وكأنه يراها أمامه في تلك اللحظة: "ليلى اللي وقفت قصاد المدافع، ليلى اللي حقنت الترياق في عروق أمي، ليلى اللي ما عرفتش الخوف لما الموت كان على باب الدار.. دي ليلى اللي أنا مش بضحي بيها، دي ليلى اللي بضحي بـ عمري عشانها. لو العهد بتاعكم بيقول إني لازم أختار، فـ أنا بكسر العهد وبحط عهد جديد: عهد الراوي.. عهد المحبة والقوة، عهد الوردة اللي بـ تحميها سيوف السلطان!"

انحنى قاسم بوقار، لكنه ظل محتفظاً بتلك النظرة الثائرة التي لا تليق إلا بملكٍ رفض التنازل عن قلبه. في تلك اللحظة، بدأ الفراغ من حوله يتشكل من جديد، بدأت خيوط الواقع تعود لتنسج حوله ملامح العودة، وبدأ صوت الحكماء يتلاشى ليحل محله صوتُ الرياح التي تناديه من نجع الراوي، صوتُ الوردة الذي كان يناديه من خلف بوابات الزمن، وكأن الكون بأكمله انحنى أمام منطقِ رجلٍ فضل أن يواجه الجحيم على أن يتخلى عن قلبِ امرأته، الرجل الذي عرف أن "السلطة" هي مجرد وهم، بينما الحب هو الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن يُقاتل من أجلها، حتى لو كان القتال ضد قدرٍ أراد له أن يختار بين محبوبته ومجد قبيلته. كان قاسم يعلم، في أعماق روحه، أن ليلى لن تغفر له إن ضحى بالنجع، كما لن يغفر هو لنفسه إن ضحى بـ "روح النجع"، ولذلك قرر أن يفرض معادلته الخاصة، معادلة الراوي التي ستكتب بـ دماء التحدي، وستُروى بـ دموعِ النصر، ليعود إلى عرينه، بطلاً لا يعرف الانكسار، ووردةً ترفض أن تذبل، مهما كانت عواصف الماضي أو رمال الحاضر...

بينما كان قاسم يقف في قلب الفراغ المطلق، تصاعدت من بين الحكماء هالةٌ من ضياءٍ أزرقَ باهت، وبدأ الجو المحيط به يتشكل كأنه لوحةٌ رُسمت بفرشاةِ ساحرٍ قديم. لم يعد المكان مجرد قاعةِ صوان، بل تحول إلى شاشاتٍ كونيةٍ تعرضُ كلَّ ذرةٍ في هذا الوجود. تقدم الحكيم الذي كان يتوسطهم، وبسط يده التي بدت وكأنها تشعُ ببريقِ مجراتٍ بعيدة، فتشكلت بين أصابعه بلورةٌ شفافةٌ تدورُ فيها معالمُ النجعِ والحياةِ والموت.

قال الحكيمُ بنبرةٍ ناعمةٍ تغري العقل، نبرةٍ تحملُ وعوداً بأن تكونَ سيداً لا يمسهُ قيد: "يا قاسم.. يا مَن ذاقَ مُرَّ العيشِ في دنيا الفناء، انظر هنا. هذه البلورة هي مفتاحُ الزمن، هي القدرةُ التي تجعلكَ تُعيدُ عقاربَ الساعةِ للوراء، تمنعُ وقوعَ مذبحةِ أهلكَ قبل أن تبدأ، وتُحيي مَن رحلوا، وتجعلُ النجعَ جنةً لا يطالها غدرُ غادرٍ ولا نذالةُ خائن. بلمسةٍ واحدة، يمكنك أن تمحي وجودَ المنظمةِ من ذاكرةِ التاريخ، وتُصبحُ أنتَ الخالقَ والمتحكمَ في مسارِ أقدارِ كلِّ مَن تحب. لا تعبَ بعد اليوم، لا دموعَ، ولا خناجرَ تُغرسُ في الظهر. كن إلهاً لزمانكَ، وسيداً لمكانك."

تراجعت أنفاسُ قاسم، واهتزت أركانُ كيانه أمام هذا الإغراء، فالسلطةُ المطلقةُ ليست مجردَ حكمٍ، بل هي طمأنينةٌ أبديةٌ تنهي صراعهُ الدامي. لكن، وفي تلك اللحظة التي بدأت فيها يده تمتدُ نحو البلورة السحرية، تلاشت الصورةُ المعروضةُ أمام عينيه، ليحل محلها مشهدٌ آخر.. مشهدٌ ارتجفت له أعماقه.

رأى "ليلى" في خيمتها، في السرايا، كانت تجلسُ وحدها، وجهها الشاحبُ يفيضُ حزناً، عيناها الواسعتانِ غارقتانِ في دموعٍ لم تشأ أن يراها أحد. كانت تمسكُ بقطعةٍ من قميصه الممزق، تضمها إلى صدرها وكأنها الروحُ التي تمنحها القدرةَ على التنفس. كانت تتحدثُ بمرارةٍ لا تحتمل، بصوتٍ خافتٍ هزَّ أرجاءَ قاسم في البعدِ الآخر، كانت تقول: "يا قاسم.. يا حامي العرين، غيابك هدَّ حيلِي، بس عهدنا مش مجرد ورقة ولا حكاية. إني لسه واقفة، لسه بلملم دمعي عشان ما يشوفوش انكساري.. أنا لسه بانتظارك، لأنك أنتَ اللي علمتني إن السلطان الحقيقي هو اللي بيواجه قدره بقلبٍ صافي، مش بالهروب من الواقع."

في تلك اللحظة، شعر قاسم بنارٍ تشتعلُ في أحشائه، نارٍ لم تأتِ من سحر الحكماء، بل أتت من وفائهِ الذي لم يلين. تذكر وعده لها، ذاك الوعد الذي قطعه تحت سماءِ النجعِ المرصعةِ بالنجوم، بأن عهدهما ليس للأبد فحسب، بل هو "عهدُ دماءٍ ومواجهة". كيف يمكنه أن يقبل بسلطةٍ مُطلقةٍ على زمانٍ ومكانٍ تكونُ فيه ليلى وحيدةً، تتجرعُ لوعةَ الفقدِ وتناجي طيفه في عزلةِ السرايا؟

سحب قاسم يده بقوةٍ، وانفجرت من عينيه نظرةُ تحدٍّ أرعبت أركانَ القاعة، وصاح في وجهِ الحكماء بنبرةٍ صعيديةٍ خالصةٍ، نبرةٍ تخلو من أيّ تردد:

ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟ أنا ما جيش هنا عشان أكون إله ولا سيد زمان.. أنا جيت هنا عشان أرجع لـ وردتي! أنتم فاكرين إن الإغراء ده هيشتري قلبي؟ دي ليلى، يا ناس! ليلى اللي روت الأرض بـ كرامتها، ليلى اللي استنتني ودموعها في عينها وما انكسرتش.. لو السلطة دي هتخليها تعيش يوم واحد من غيري، أو تخليني أبدل لحظة من وجعها بـ سيادة الكون، فـ أنا بـ أرمي السلطة دي تحت رجلي! السلطان الحقيقي مش اللي بيتحكم في الزمان، السلطان الحقيقي هو اللي بيحمي اللي بيحبهم من غير ما يغير طبيعتهم ولا يغير قدرهم. عهدي ليها كان إننا نواجه سوا، مش إننا نعيش في وهم!"

استمر قاسم في صرخته، يملأ القاعة بوصفِ حبيبته التي كانت تقاوم ألمها بكل شموخ:

ـ "شوفوها.. شوفوا ليلى، وشوفوا وجعها اللي بـ يحرق ضلوعي. هي بـ تبكي بس واقفة، بـ تتوجع بس ما بـ تشتكيش. أنتم فاكرين إن الهروب من الواقع سلطة؟ ده جبن! أنا قاسم الراوي، اللي روض الجبل، هروض قدره بـ إيدي، وهرجع لـ وردتي وأنا قاسم اللي هي عرفته، مش قاسم اللي أنتم عاوزين تخلوه "إله" في عالمِ أوهام. النجع اللي بـ تبكوا عليه، والوردة اللي بـ تتلوع عليا.. هما دول تاجي، وهما دول اللي ما يغلاش عليهم دمٍ ولا روح. عهدنا كان للمواجهة، مش للهروب، وعهدنا هو اللي هيرجعني لـ عتبة الدار، بـ إرادتي اللي ما بتركعش لغير الخالق."

ارتجف جسد قاسم، وتصاعدت طاقةٌ ذهبيةٌ من أعماق روحه، طاقةٌ لم تكن سحراً، بل كانت خلاصةَ حبهِ لليلى وثباتِ مبادئه. لم يكن يبحثُ عن مخرجٍ سهل، بل كان يُعلنُ الحربَ على كلِّ من ظنَّ أن إغراءَ القوةِ قادرٌ على تغييرِ جوهرِ "سلطان الراوي". وفي تلك اللحظة، بدأت صورُ الحكماءِ تتلاشى وكأنها غبارٌ في مهبِّ عاصفةِ عشقه، ليبقى قاسمُ وحيداً، يقفُ شامخاً، يجهزُ قلبه للعودة، مستعداً لخوضِ المعركةِ الأكبر، ليس من أجلِ النجاةِ فقط، بل من أجلِ إثباتِ أنَّ الحبَّ في أرضِ الصعيدِ هو القوةُ التي تُحني الجبالَ، وتُعيدُ للحقِّ نصابَه، وتجعلُ من السلطانِ عاشقاً يرفضُ المجدَ إذا لم يكن بـ رفقةِ وردتِه..

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status