LOGINالفصل الرابع والعشرون
بعد كل ما حدث، عادت جلنار إلى منزل والدها. كانت تعرف أن بقاءها في منزل أركان لم يعد أمرًا مناسبًا، خصوصًا بعد أن أصبحت مشاعرها تجاهه أكثر تعقيدًا مما كانت تتوقع. لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود الاحترام، لكنها كانت تدرك أن قربهما المستمر قد يدفعهما إلى مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد. وفوق ذلك كله… كانت جلنار نفسها لا تعرف ماذا تشعر تجاه أركان. فبعد كل ما مرت به، لم تكن مستعدة للدخول في علاقة جديدة، ولا تريد أن تتخذ قرارًا عاطفيًا وهي لا تزال تحاول لملمة نفسها من آثار الماضي. لذلك اختارت أن تبتعد قليلًا. على الأقل حتى تفهم نفسها. وفي صباح اليوم التالي، تحدثت مع والدها بشأن عودتها إلى منصبها في الشركة. رحب هاشم بالفكرة فورًا، بل بدا وكأنه كان ينتظر منها أن تتخذ هذه الخطوة. وبعد أن أنهت حديثها معه، صعدت إلى غرفتها لتستعد للذهاب إلى العمل. لكن قبل أن تغادر، وصلتها رسالة من أركان. فتحتها بسرعة. كان يخبرها فيها بحالة نمر، وأن حالته لا تزال حرجة، ويسألها إن كانت ترغب في زيارته. توقفت جلنار للحظات وهي تحدق في الشاشة. ثم تنفست الصعداء وأرسلت إليه: «أسأل الله له الشفاء العاجل… لكن زيارتي له لا جدوى منها.» وضعت الهاتف جانبًا، ولم تكن تعلم أن أركان لم يكن وحده في تلك اللحظة. فبينما كان لا يزال يتواصل معها، وصل دهام برفقة أمجد. تبادلا نظرات غامضة. بعضها كان مفهومًا، وبعضها الآخر لم يكن له تفسير واضح. ثم اتجهت أنظار دهام إلى السرير. هناك… كان نمر مستلقيًا بلا حراك. الأجهزة الطبية تحيط به من كل جانب، والأسلاك ممتدة إلى جسده، بينما غطت الضمادات وجهه وجسده بشكل شبه كامل. ظل دهام يحدق فيه للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت: — لم أتصور يومًا أن أرى ابني على هذه الحال. ساد الصمت للحظات. ثم التفت إلى أركان وسأله: — هل علمت من تسبب له بهذا؟ أجابه أركان بهدوء: — ما زال التحقيق مستمرًا. ثم تابع: — كل ما أعرفه حاليًا أن السجين الذي كان مع نمر وساعده على الهرب، قُتل أولًا… ثم أُحرقت جثته مع المنزل. تغيرت ملامح دهام قليلًا. أكمل أركان: — لم نستطع التعرف إليه إلا عن طريق الـDNA. ثم رفع عينيه نحو أمجد. — من فعل ذلك كان حريصًا على إخفاء كل الأدلة… ولم يترك خلفه أي أثر. ظل أمجد صامتًا. أما دهام، فلم يجب. لكنه في داخله كان يفكر. ويتوعد. كان يعلم أن ما حدث لم يكن صدفة، وأن الشخص الذي فعل ذلك لم يكن يريد التخلص من نمر وحده. كان هناك شيء آخر خلف كل ما يحدث. قال أركان بعد لحظات: — والآن يا سيد دهام، تفضل معي. نظر إليه دهام ببرود. تابع أركان: — كما تعلم، أنت مطلوب للتحقيق بتهمة اختطاف جلنار. ارتسمت على وجه دهام ابتسامة ساخرة. ثم التفت إلى أمجد وقال: — تحدث مع المحامي. اقترب أمجد منه، فخفض دهام صوته حتى لا يسمعه أركان: — وتحدث مع جلنار أيضًا… أريدها أن تتراجع عن شكوى الاختطاف عقد أمجد حاجبيه وقال: — وماذا لو رفضت؟ أو استخدم والدها الدليل الذي لديه ضدك في قضية مقتل سناء؟ نظر إليه دهام بثقة غريبة. — لن يفعل. صمت للحظة، ثم أضاف: — على الأقل… ليس الآن. وبعدها سار برفقة أركان، بينما بقي أمجد للحظات يفكر في كلماته. ⸻ في مكتب أركان كان أركان غارقًا في العمل. ملفات متراكمة، واتصالات لا تنتهي، وتحقيق لم يغلق بعد. وفجأة رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. كانت شقيقته جنى. أجابها سريعًا: — ماذا هناك؟ جاء صوتها من الطرف الآخر: — أريد رمز القفل لشقتك. رفع أركان حاجبه باستغراب، لكنه أجاب دون تفكير: — تاريخ ترقيتي كضابط. ثم سأل: — لكن لماذا؟ وما حاجتك بالشقة؟ ضحكت جنى بخفة. — سأخبرك لاحقًا، لا أريد أن أعطلك عن عملك. — جنى… لكنها أسرعت قائلة: — إلى اللقاء! ثم أغلقت الهاتف. نظر أركان إلى الشاشة للحظات باستغراب، لكنه لم يعطِ الأمر أهمية كبيرة. كان لديه ما يكفي من الأمور التي تشغل تفكيره. وعاد إلى عمله. حتى منتصف الليل. حينها فقط أنهى آخر ملف أمامه، وأسند ظهره إلى كرسيه بتعب. لم يكن يفكر في شيء سوى النوم. أخذ مفاتيحه وغادر. وبعد دقائق وصل إلى شقته. أدخل رمز القفل، وفتح الباب. لكن ما إن دخل… حتى توقف في مكانه. كانت الشقة مختلفة تمامًا. الورود موزعة في أرجائها، والشموع مضاءة، والإضاءة خافتة، وكل شيء مرتب بطريقة رومانسية واضحة. اتسعت عيناه بدهشة. ولسبب لم يفهمه… كانت أول فكرة خطرت في باله هي جلنار. ابتسم ابتسامة صغيرة دون أن يشعر. «هل يمكن أن تكون هي من فعلت ذلك؟» تابع سيره ببطء. كل خطوة كان يخطوها كانت تزيد من ارتباكه. حتى وصل إلى غرفته. وضع يده على المقبض وفتح الباب. تجمد في مكانه. كانت كارمن تقف أمامه. ترتدي ملابس أنيقة، وقد تعطرت بعطر قوي ملأ المكان. نظرت إليه بثقة، ثم تقدمت نحوه خطوة. ثم أخرى. حتى أصبحت أمامه مباشرة. قالت بابتسامة: — تأخرت كثيرًا. لم يجب أركان. كانت عيناه لا تزالان معلقتين بها، وكأنه يحاول فهم ما يحدث. اقتربت كارمن أكثر، ومدت يدها نحوه، ثم حاولت الاقتراب لتقبيله. لكن… في تلك اللحظة تحديدًا… صدر صوت قفل الباب الخارجي. تراجعت كارمن خطوة. أما أركان فالتفت نحو الباب بدهشة. وبعد لحظات… انفتح باب الشقة. دخلت جنى أولًا. وخلفها… كانت جلنار. توقفت جلنار فورًا. ارتفعت عيناها نحو المشهد أمامها. كارمن… وأركان… والشموع والورود التي ملأت المكان. ساد صمت ثقيل. ولم يعرف أحد منهم ماذا يقول. أما جلنار… فبقيت واقفة عند الباب، تحدق بالمشهد أمامها بصمت.الفصل الخامس والعشروناقتربت جلنار حتى وقفت أمام كارمن مباشرة، بينما ظل أركان يراقبها بقلق، خشية أن تكون قد أساءت فهم مارأته .قالت جلنار بهدوء:— عندما رأيتكِ للمرة الأولى، لم أشعر بالارتياح تجاهكِ… كنت أعلم أن هناك شيئًا تدبرينه أنتِ وجنى.ثم التفتت إلى جنى وقالت:— هل تعلمين أن شقيق كارمن سافر إلى روسيا برفقة حبيبته السابقة؟اتسعت عينا جنى بدهشة، ونظرت إلى كارمن.— ماذا؟! كيف ذلك؟! قلتِ لي إنه ذهب في رحلة عمل!ابتسمت كارمن بسخرية وقالت:— وما شأني أنا بكِ؟ أنتِ من سلمتِ نفسكِ له بهذه السرعة.ساد الصمت للحظات.كانت كلمات كارمن كافية لإشعال غضب أركان.تقدم نحو جنى بغضب، وكاد أن يرفع يده عليها، لكن جلنار أسرعت بالوقوف أمامه وأمسكت بذراعه.— أركان، اهدأ أرجوك.حاول التقدم، لكنها استوقفته بحزم.— الأمور لا تُحل هكذا… دعني أنا أتولى الأمر.نظر إليها أركان للحظات، ثم تراجع.أما جنى فاختبأت خلف جلنار وهي ترتجف.التفتت جلنار إلى كارمن وقالت ببرود:— وأنتِ ارتدي شيئًا محتشمًا وغادري من هنا، لا مكان لكِ بيننا.»رمقتها كارمن بنظرة غاضبة، ثم استدارت وغادرت المكان دون أن تنطق بكلمة أخرى.ساد الص
الفصل الرابع والعشرونبعد كل ما حدث، عادت جلنار إلى منزل والدها.كانت تعرف أن بقاءها في منزل أركان لم يعد أمرًا مناسبًا، خصوصًا بعد أن أصبحت مشاعرها تجاهه أكثر تعقيدًا مما كانت تتوقع.لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود الاحترام، لكنها كانت تدرك أن قربهما المستمر قد يدفعهما إلى مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.وفوق ذلك كله…كانت جلنار نفسها لا تعرف ماذا تشعر تجاه أركان.فبعد كل ما مرت به، لم تكن مستعدة للدخول في علاقة جديدة، ولا تريد أن تتخذ قرارًا عاطفيًا وهي لا تزال تحاول لملمة نفسها من آثار الماضي.لذلك اختارت أن تبتعد قليلًا.على الأقل حتى تفهم نفسها.وفي صباح اليوم التالي، تحدثت مع والدها بشأن عودتها إلى منصبها في الشركة.رحب هاشم بالفكرة فورًا، بل بدا وكأنه كان ينتظر منها أن تتخذ هذه الخطوة.وبعد أن أنهت حديثها معه، صعدت إلى غرفتها لتستعد للذهاب إلى العمل.لكن قبل أن تغادر، وصلتها رسالة من أركان.فتحتها بسرعة.كان يخبرها فيها بحالة نمر، وأن حالته لا تزال حرجة، ويسألها إن كانت ترغب في زيارته.توقفت جلنار للحظات وهي تحدق في الشاشة.ثم تنفست الصعداء وأرسلت إليه:«أسأل الله له الشفاء ا
الفصل الثالث والعشرونفي البيت الخشبي…كان نمر مقيدًا إلى كرسي في منتصف الغرفة، بينما وقف الرجل أمامه يراقبه بنظرات باردة.قال الرجل بصوت هادئ:— هل كنت تظن حقًا أن أحدًا سينقذك بعد كل ما اقترفته من خطايا؟رفع نمر عينيه إليه، ثم بصق في وجهه.ساد الصمت للحظات.مسح الرجل وجهه بيده، متجاهلًا ما فعله نمر، ثم تابع بنبرة أكثر غموضًا:— انظر إلى هذا الوجه جيدًا…اقترب منه قليلًا.— ألا يذكّرك بأحدهم؟حدّق نمر في وجهه، ثم قال ببرود:— لا يهمني أن أتذكر… لكن اعلم جيدًا أنني لو خرجت من هنا، فسيكون حسابك عسيرًا… أنت وذاك الحقير الذي يقف خلفك ( يقصد السجين )ظهرت ابتسامة غامضة على وجه الرجل، بينما ازدادت نظراته قسوة.— هذا… لو خرجت حيًا من هنا.تغيرت ملامح نمر، لكنه حاول إخفاء خوفه.قال الرجل:— نمر… هل تعلم لماذا وضعك الضابط أركان مع هذا السجين تحديدًا؟أشار بعينيه إلى الرجل الآخر الموجود في الغرفة.ثم تابع بصوت خافت:— لأنه قاتل متسلسل خطير.نظر إلى السجين للحظات، ثم عاد ببصره إلى نمر.— كان يحرق ضحاياه وهم أحياء…توقف قليلًا قبل أن يكمل:— وحتى بعد زجّه في السجن، لم يرتح السجناء يومًا من أسالي
الفصل الثاني والعشرونلم يكن ما يحدث داخل السجن فوضى عشوائية كما ظن الجميع.كانت أصوات الإنذارات تملأ المكان، وأقدام الحراس تتسابق في الممرات، بينما تعالت صرخات السجناء في الجناح الشرقي.لكن وسط تلك الفوضى…كانت هناك أبواب فُتحت في الوقت المناسب، وأخرى بقيت مغلقة.وكأن أحدًا ما يعرف تمامًا أين يجب أن تحدث الفوضى… وأين يجب أن تتوقف.كان نمر يركض خلف الرجل الذي أخرجه من زنزانته المنفردة.التفت إليه وهو يواصل سيره بسرعة:— إلى أين تأخذني؟لم يتوقف الرجل.— إذا أردت الخروج من هنا، فلا تضيع وقتك بالأسئلة.ضيّق نمر عينيه وهو يراقبه.كان يعرف هذا الرجل.السجين الذي ظل في العزلة لفترة طويلة، والذي لم يكن من السهل أن يتحرك داخل السجن بهذه الطريقة.ومع ذلك…كان يسير الآن بثقة، وكأنه يعرف الطريق جيدًا.وصلا إلى ممر جانبي بعيد عن الضوضاء.توقف الرجل أمام باب حديدي، ثم أخرج مفتاحًا من جيبه.توقف نمر خلفه مباشرة.— من أين حصلت على هذا؟فتح الرجل الباب دون أن يجيبه.ثم قال بهدوء:— الشخص الذي أرسلني لم يترك شيئًا للصدفة.دخل نمر خلفه.كان الممر ضيقًا ومظلمًا، لا يصل إليه سوى ضوء خافت من مصباح صغير ف
الفصل الحادي والعشرونلم يكن الليل مختلفًا عن غيره داخل السجن.الممرات الطويلة غارقة في الصمت، والحراس يتنقلون بين الزنازين بوجوه جامدة، بينما كان السجناء يستسلمون لليل بعد يوم آخر خلف القضبان.لكن ذلك الهدوء لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة.في نهاية أحد الممرات، كانت الزنزانة الانفرادية تقف معزولة عن بقية السجن.جلس الرجل في الداخل على الأرض، مستندًا إلى الجدار، وعيناه معلقتان بالسقف.لم يكن يبدو عليه القلق.بل كان هادئًا بشكل يثير الريبة.اقترب أحد الحراس من الباب الحديدي، ثم توقف أمامه.قال ببرود:— وقت الدواء.رفع الرجل عينيه إليه.ابتسم ابتسامة خفيفة.— الليلة؟قطب الحارس حاجبيه.— وما الغريب في ذلك؟لم يجب الرجل.اكتفى بالابتسام.ثم عاد وأسند رأسه إلى الجدار.لم يفهم الحارس سبب تلك الابتسامة، لكنه لم يهتم طويلًا.استدار وغادر.وبمجرد أن ابتعد خطوات، فتح الرجل عينيه من جديد.هذه المرة لم تكن فيهما أي ملامح للهدوء.همس لنفسه:— بدأنا.⸻في الجهة الأخرى من السجن، كان نمر جالسًا داخل زنزانته، وقد اعتاد منذ أيام على الصمت الطويل.رفع رأسه فجأة عندما سمع صوتًا مكتومًا في الخارج.ث
الفصل 20شقة مازنوقفت راما أمام مازن بصمت، بينما كان هو يحدق بها بنظرات امتزج فيها الغضب بالخذلان.قال أخيرًا، بصوت بدا هادئًا أكثر مما ينبغي:— إذا كنتِ تريدين مني أن أصدق أنك تزوجتِ هاشم، وأنجبتِ منه توأمًا، ثم لم تقعي في حبه… حتى انك أنقذتِ ابنته، فعليكِ أن تعطيني سببًا واحدًا يجعلني أصدق كل ذلك.تنهدت راما، وأخفضت عينيها للحظة قبل أن تقول:— مازن، أنا طبيبة. لا يمكنني أن أقف أمام شخص يحتضر وأتركه للموت، مهما كانت علاقتي به.ابتسم بسخرية خفيفة.— ما زلتِ تجيدين المراوغة.رفعت عينيها إليه.تابع:— سافرتِ إلى الخارج من أجل مستقبلك، وتركتِ كل شيء خلفك… ثم عدتِ فجأة متزوجة من هاشم. كنت أعتقد أنكِ مخلصة لما بيننا، وأنك مهما حدث ستبقين إلى جانبي.تغيرت ملامح راما، وامتلأت عيناها بالدموع.— مازن… أرجوك، لا تقسُ عليّ أكثر من ذلك.ساد الصمت للحظات.ثم قالت بصوت خافت:— أنا أعرف أنني وعدتك بأنني سأدعمك وأقف إلى جانبك مهما حدث. ولم أنسَ وعدي… لكن دخول هاشم إلى حياتي جعلني أرى الأمور بطريقة مختلفة.ضحك مازن بمرارة.— هاشم.نطق اسمه وكأنه يحمل داخله سنوات من الغضب.— لا أفهم كيف استطاع أن يغي