LOGINلم تنم ليان تلك الليلة.
كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا، بينما بقي المطر يضرب زجاج قصر آل الديب بإيقاعٍ بارد يشبه الوحدة. جلست فوق سريرها تضم ساقيها إليها بصمت، والبطانية السوداء ملتفة حول جسدها النحيل، بينما انعكست أضواء إسطنبول البعيدة داخل عينيها العسليتين المتعبتين. لكن عقلها لم يكن هنا. كان عالقًا هناك… في الشرفة. في نظرة كمال. وفي ذلك الصوت البارد الذي خرج من آدم النجار حين وقف أمامه دون خوف. أغمضت عينيها بتعب، محاولة إيقاف أفكارها، لكنها فشلت كالعادة. لأن الليل كان دائمًا أسوأ أوقاتها. في الليل تعود الذكريات. في الليل يتحول عقلها إلى سجن. وفي الليل… يعود كمال. --- قبل ثلاث سنوات… كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل حين دخل كمال غرفتهما وهو ثمل وغاضب. تذكرت تلك الليلة بتفاصيلها المؤلمة كلها. كانت تقف قرب المرآة تفك أقراطها بصمت عندما رمى الباب خلفه بعنف جعلها تنتفض فورًا. عرفت تلك الخطوات. الخطوات الثقيلة التي تعني أن عليه الابتعاد عنه. لكنها لم تملك وقتًا كافيًا. اقترب منها بسرعة، ثم أمسك ذراعها بقوة حتى تأوهت. — مين كان يطالعك بالحفلة؟ شهقت بألم. — محد… شدها بعنف أكبر. — تكذبين علي؟ كانت خائفة. مرعوبة. لكنها رغم ذلك حاولت التماسك. — والله ما كنت أسوي شيء. لكن كمال لم يكن يسمع حين يغضب. كان يتحول إلى شيء آخر. شيء لا يشبه البشر. دفعها بقوة نحو الطاولة الزجاجية، فاصطدم جسدها بها بعنف. ثم أمسك فكها بقسوة حتى دمعت عيناها. — أنتِ لي… فاهمة؟ — لا أحد يطالعك. — لا أحد يكلمك. — لا أحد حتى يتنفس حولك بدون إذني. كانت ترتجف بالكامل. لكن أكثر ما قتلها… أنه بعد دقائق فقط، هدأ فجأة. جلس أمامها كأن شيئًا لم يحدث. ثم فتح ذراعيه وقال: — تعالي. وحين لم تتحرك… ابتسم تلك الابتسامة المريضة التي كانت تخيفها أكثر من الضرب نفسه. — لا تخليني أعصب مرة ثانية يا ليان. عاد صوت أنفاسها المتقطعة إلى الحاضر فجأة. فتحت عينيها بعنف وهي تلهث. شعرت بالاختناق. كأنها ما زالت هناك. داخل تلك الغرفة. معه. وضعت يدها فوق صدرها محاولة تهدئة نبضات قلبها، لكن جسدها كله كان يرتجف. “انتهى…” همستها بصعوبة. “أنتِ بأمان.” لكن عقلها لم يصدق ذلك أبدًا. --- في الطابق السفلي من القصر… كان سليم الديب جالسًا داخل مكتبه المظلم يقرأ عدة ملفات، بينما وقف ريان أمامه بصمت. قال ريان: — رجالنا يقولون إن كمال خرج غاضبًا بعد الحفلة. أخذ سليم نفسًا بطيئًا من سيجاره. — دعه يغضب. — أخشى أن يفعل شيئًا غبيًا. رفع سليم عينيه أخيرًا نحو ابنه. كانت نظرته باردة بشكل مرعب. — إذا لمسها… ثم سكت. لكن ريان فهم الباقي. الجميع يعرف ماذا يحدث حين يغضب سليم الديب لأجل ابنته. حتى كمال نفسه. ورغم ذلك… ما زال يتمادى. قال ريان بعد لحظة: — وآدم النجار؟ اشتدت ملامح سليم قليلًا. نهض ببطء واتجه نحو النافذة الطويلة. المطر ما زال يهطل فوق المدينة. همس: — هذا الرجل مشكلة. — لأنه مهتم فيها؟ ضحك سليم ضحكة خافتة بلا روح. — لا… لأنني رأيت كيف نظر لها. التفت نحو ابنه. — آدم النجار ليس من الرجال الذين يعجبون بامرأة لأسبوع وينسونها. ثم أضاف بصوت منخفض: — وإذا أحب… سيدمر كل شيء لأجل ما يحب. ساد الصمت. أما داخل عقل سليم… فكانت فكرة واحدة فقط تتكرر: “ليان ليست جاهزة لرجل مثله.” --- في الجهة الأخرى من إسطنبول… كان آدم داخل قاعة التدريب الخاصة به أسفل برج النجار. الساعة الخامسة فجرًا. والهواء مشبع برائحة الحديد والعرق. كان يلكم الكيس الأسود بعنف متواصل، بينما الدم بدأ يظهر فوق مفاصل يده. ضربة. ثم أخرى. ثم ثالثة أقوى. لكنه لم يكن يحاول إخراج غضبه. بل كان يحاول إخراجها من رأسه. ليان. اللعنة عليه. منذ تسع سنوات وهي تظهر داخل أفكاره بين فترة وأخرى، لكنه كان دائمًا يسيطر على نفسه. أما الآن… فقد رآها عن قرب أخيرًا. ورأى الخوف داخلها. وهذا جعله عاجزًا عن التفكير بشيء آخر. دخل فهد النجار القاعة وهو يشرب قهوته بهدوء. راقبه لثوانٍ ثم قال: — يا أخي أنت تضرب الكيس كأنه قتل أحد من أهلك. لم يرد آدم. استمر باللكم حتى اقترب فهد أكثر. — أوه… فهمت. ثم ابتسم بخبث: — بنت الديب. توقف آدم أخيرًا. كان صدره يرتفع وينخفض بقوة، والعرق يلمع فوق رقبته. رفع عينيه نحو ابن عمه. — قلت لك لا تجيب طاريها. رفع فهد يديه باستسلام. — خلاص خلاص. لكنه لم يستطع منع نفسه من الضحك. — بس والله شيء مو طبيعي… آدم النجار بنفسه واقع؟ اقترب آدم ببطء. هدوءه وحده جعل ابتسامة فهد تختفي تدريجيًا. قال بصوت منخفض: — أنا لا “أقع”. ثم أخذ المنشفة عن الأرض ومسح الدم عن يده. لكن فهد لاحظ شيئًا نادرًا جدًا. التوتر. آدم النجار الذي يرعب الرجال… متوتر بسبب امرأة. وهذا لم يحدث من قبل. قال فهد أخيرًا: — انتبه لنفسك. رفع آدم حاجبه. — ليش؟ تنهد فهد. — لأنها بنت سليم الديب… مو أي بنت. أبعد آدم نظره قليلًا. ثم قال بهدوء: — أعرف. لكن المشكلة… أنه رغم معرفته بكل هذا، لم يستطع التوقف. --- حلّ الصباح أخيرًا فوق إسطنبول الرمادية. لكن ليان لم تنم دقيقة واحدة. كانت جالسة أمام المرآة بصمت بينما أمينة تسرح شعرها الطويل برفق. قالت أمينة بحزن: — عيونكِ تعبانة يا بنتي. ابتسمت ليان ابتسامة باهتة. — ما فيه شيء جديد. ترددت أمينة قليلًا قبل أن تقول: — كمال أرسل ورد. تجمدت يد ليان فورًا. شعرت ببرودة مفاجئة تسري داخل جسدها. — وينه؟ — قلت للحراس يرمونه. أغمضت ليان عينيها بارتياح صغير. لكن أمينة أكملت: — ومعه رسالة. فتحت عينيها ببطء. — ماذا كتب؟ ترددت أمينة أكثر هذه المرة. ثم قالت بصوت خافت: — “مهما هربتِ… ستبقين لي.” اختفى اللون من وجه ليان فورًا. شعرت بالغثيان. حتى بعد الطلاق… ما زال يلاحقها. ما زال يعتقد أنها ملكه. وضعت يدها فوق فمها محاولة منع نفسها من الانهيار. لكن جسدها بدأ يرتجف دون سيطرة. اقتربت أمينة بسرعة. — ليان… اهدئي. لكنها لم تستطع. كل شيء عاد دفعة واحدة. صرخاته. يده. حبسه لها. الليالي التي كانت تبكي فيها داخل الحمام كي لا يسمعها أحد. همست بصوت مرتجف: — هو ما راح يتركني… احتضنتها أمينة بسرعة. — لا يا عمري… أبوكِ موجود. لكن ليان ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة. لأنها تعرف الحقيقة. والدها كان يعرف كل شيء منذ البداية. ورغم ذلك… تركها معه. --- في ظهيرة اليوم نفسه… دخل كمال السيوفي قصر آل الديب وكأنه يملك المكان. الحراس فتحوا له الطريق فورًا. الجميع يخافه. حتى رجال سليم أنفسهم. صعد إلى مكتب سليم دون استئذان، ثم دخل بوجه بارد. كان سليم جالسًا خلف مكتبه يقرأ بعض الأوراق. لم يرفع رأسه مباشرة. قال فقط: — يبدو أنك نسيت الأدب. ابتسم كمال ابتسامة خفيفة. — وأنت نسيت إنني الرجل الذي يدير نصف أعمالك. رفع سليم عينيه ببطء. الصمت بينهما كان ثقيلًا. ثم قال سليم: — ابتعد عن ليان. اختفت الابتسامة من وجه كمال فورًا. — هي زوجتي. — طليقتك. اشتدت ملامحه. — وستعود لي. وقف سليم ببطء. ورغم أن كمال ضخم البنية ومخيف، إلا أن وجود سليم كان مختلفًا. أبرد. أخطر. قال بصوت منخفض: — اسمعني جيدًا… إذا جعلتها تبكي مرة أخرى، سأدفنك بيدي. ولثانية قصيرة… حتى كمال شعر بالتوتر. لكنه أخفاه بسرعة. ضحك بسخرية. — متأخر شوي على دور الأب الحنون، مو؟ تجمد الجو بالكامل. أما سليم… فلم يظهر أي تعبير. لكن شيئًا مظلمًا مر داخل عينيه. شيء جعل كمال يدرك أنه اقترب أكثر مما يجب. قال سليم أخيرًا: — اخرج قبل أن أغير رأيي وأقتلك الآن. ابتسم كمال ببرود، ثم استدار وغادر. لكن قبل أن يخرج بالكامل، قال: — بالمناسبة… ابنتك جميلة جدًا بالفستان الأحمر. تصلبت يد سليم فوق المكتب. أما كمال… فابتسم لأنه يعرف أنه استفزه أخيرًا. --- في المساء… كانت ليان جالسة داخل مكتبتها الصغيرة في الطابق العلوي، تحاول قراءة كتاب دون تركيز حقيقي. لكن عقلها كان مشتتًا بالكامل. كل شيء حولها أصبح يخنقها. حتى القصر نفسه. وفجأة سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. دخل ريان دون انتظار الرد. كان يحمل كوب قهوة بيده، وملامحه أقل قسوة من المعتاد. جلس أمامها وقال: — ما نمتي؟ ضحكت بخفة. — واضح؟ نظر إليها طويلًا. ثم قال بهدوء نادر: — إذا ضايقك كمال مرة ثانية… قولي لي. رفعت عينيها نحوه باستغراب خفيف. ريان لم يكن شخصًا جيدًا. بل كان مخيفًا مثل بقية رجال العائلة. لكنه رغم ذلك… كان يحبها فعلًا. همست: — وماذا ستفعل؟ ابتسم ابتسامة باردة. — أقتله. ورغم سوداوية الجملة… شعرت ليان بدفء صغير داخل صدرها. لأنها ولأول مرة منذ زمن… بدأت تشعر أن هناك من قد يقف بجانبها أخيرًا. لكنها لم تكن تعرف… أن أخطر شخص بدأ يقف بجانبها بالفعل. آدم النجار. الرجل الذي لم يحب امرأة طوال حياته… حتى رآها خلف والدها قبل تسع سنوات. ومنذ ذلك اليوم… وهي تسكن داخله دون أن تعلم.في الليلة اشغلها التفكير عن النومبعد حديثها مع آدم في الحديقة، وبعد كل ما اكتشفته عن حادثة الميناء، شعرت وكأن حياتها كلها بدأت تتغير أمام عينيها.جلست على طرف السرير.والملف الأصفر أمامها.نظرت إلى اسمها مرة أخرى.ليان سليم الديب.شاهدة.هذه الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض.كيف يمكن أن تكون شاهدة على شيء بهذا الحجم ولا تتذكره؟ولماذا أخفى عنها والدها الحقيقة؟أغمضت عينيها.لكن بدلًا من الراحة...جاءتها ومضة جديدة.لهيب.دخان.رجل يركض.صوت انفجار.ثم...صوت رجل يصرخ:— خذوا الفتاة!فتحت عينيها فورًا.وانتفخت أنفاسها.وضعت يدها فوق صدرها.تحاول تهدئة نفسها.لكن الخوف كان يزداد.شيئًا فشيئًا.---في صباح اليوم التالي...كان آدم داخل مكتبه عندما دخل فهد بسرعة.ملامحه لم تكن مطمئنة.قال مباشرة:— وجدناه.رفع آدم رأسه.— من؟— الشخص الذي يسرب المعلومات.ساد الصمت.أكمل فهد:— أو على الأقل أحدهم.وضع ملفًا فوق المكتب.فتحه آدم.وبدأت ملامحه تبرد تدريجيًا.الشخص لم يكن من آل النجار.ولا من آل الديب.بل كان موظفًا يعمل بين عدة شركات مرتبطة بالعائلتين.رجل عادي.هادئ.لا يلفت الانت
بقيت ليان جالسة في مكانها.تحدق في الورقة.مرة.ثم مرة أخرى.ثم مرة ثالثة.وكأنها تنتظر أن يختفي اسمها منها.لكنه لم يختفِ.ظل موجودًا.واضحًا.حقيقيًا.ليان سليم الديب.شعرت أن أنفاسها أصبحت ثقيلة.وأن الغرفة تضيق حولها.قالت بصوت خافت:— هذا خطأ...الرجل العجوز لم يرد.— لا يمكن أن أكون هناك.ما زال صامتًا.— كنت بعمر سبعة عشر عامًا.رفع الرجل نظره إليها.وقال بهدوء:— لهذا السبب بالتحديد كنت هناك.نظرت إليه بعدم فهم.لكن قبل أن تسأله...أكمل:— أحيانًا يستخدم الكبار أبناءهم في الأماكن التي لا يتوقع أحد وجودهم فيها.اختفى اللون من وجهها.فكرة واحدة فقط خطرت ببالها.والدها.هل كان يعرف؟هل أخفى عنها الأمر طوال هذه السنوات؟وقفت فجأة.وأغلقت الملف.— أريد أن أذهب.العجوز لم يمنعها.بل قال قبل أن تغادر:— اسألي والدك عن ليلة الحريق.توقفت خطواتها.ثم التفتت نحوه.— أي حريق؟— حريق الميناء.شعرت بقشعريرة تسري في ظهرها.لكنها لم تقل شيئًا.وغادرت المتجر.---خارج المبنى...كان الهواء البارد يضرب وجهها بقوة.لكنها بالكاد شعرت به.ركبت السيارة.وأمرت السائق بالعودة إلى القصر.طوال الطريق ل
لم تستطع ليان إخراج عبارة "حادثة الميناء" من رأسها.منذ أن سمعتها خلف باب مكتب والدها، وهي تشعر أن الاسم يطاردها.حادثة الميناء.كلمتان فقط.لكن الطريقة التي تغيرت بها ملامح سليم وريان عندما ذُكرتا كانت كافية لتخبرها أن الأمر أكبر من مجرد عملية قديمة أو خلاف تجاري.كان هناك شيء مخفي.شيء يعود إلى سنوات طويلة.وشيء لا يريد والدها أن تعرفه.وهذا وحده كان سببًا كافيًا لتبحث عنه.---في صباح اليوم التالي، كانت السماء ملبدة بالغيوم.جلست ليان في المكتبة الخاصة بالقصر.أمامها حاسوب محمول.وبجانبها عدة دفاتر قديمة كانت قد احتفظت بها منذ سنوات.بدأت تكتب كلمات مختلفة في محرك البحث.أسماء شركات.أسماء موانئ.أسماء رجال سمعتهم يتحدثون في اجتماعات قديمة.لكنها لم تصل إلى شيء.كل طريق كان ينتهي بجدار.وكأن شخصًا تعمد محو آثار تلك الحادثة.أغلقت الحاسوب بضيق.وفي اللحظة نفسها دخل ريان.كان يحمل كوب قهوة.نظر إليها.ثم إلى الحاسوب.ثم قال:— عندما تكونين هادئة جدًا أعرف أنكِ تخططين لشيء.رفعت حاجبها.— وعندما تدخل دون استئذان أعرف أنك ما زلت مزعجًا.جلس مقابلها.— ماذا تبحثين؟— لا شيء.— كاذبة.—
بقيت ليان تحدق في شاشة هاتفها عدة دقائق.الصورة ما زالت أمامها.والدها في المقدمة.عدة رجال من العائلات الكبرى حوله.أما هي فكانت تقف خلفه بهدوء، كما كانت تفعل دائمًا في تلك المناسبات.لكن الدائرة الحمراء لم تكن حولها.بل حول رجل يقف في الخلف.بعيدًا عن الجميع.شبه مخفي بين الحراس والضيوف.لم تكن تتذكره إطلاقًا.كبرت الصورة أكثر.لكن جودة الصورة القديمة لم تساعدها.كل ما استطاعت ملاحظته أنه رجل طويل نسبيًا ويرتدي بدلة سوداء.ضغطت على الرقم المجهول مباشرة.مغلق.أعادت المحاولة.مغلق.ألقت الهاتف فوق السرير بضيق.ثم نهضت وخرجت من غرفتها.لم تفكر كثيرًا.اتجهت مباشرة إلى مكتب والدها.كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، لكنها تعرف أن سليم الديب لا ينام مبكرًا.طرقت الباب.جاءها صوته من الداخل.— ادخلي.دخلت بسرعة.رفع سليم نظره عن الملفات.لاحظ توترها فورًا.— ماذا حدث؟وضعت الهاتف أمامه.— وصلتني هذه الآن.أخذ الهاتف.وبدأ ينظر إلى الصورة.في البداية لم يتغير شيء على ملامحه.ثم ضاقت عيناه قليلًا.وهو أمر نادر.لاحظت ليان ذلك.— تعرفه؟لم يجب مباشرة.أعاد النظر إلى الصورة مرة أخرى.ثم قال:
اندفعت ليان خارج غرفتها بسرعة لم تفكر فيها.حتى الحارسان اللذان كانا يقفان قرب الباب تفاجآ من خروجها المفاجئ.— آنسة ليان!لكنها لم تتوقف.كانت تنزل الدرج بسرعة بينما يخفق قلبها بعنف داخل صدرها.شيء ما تركه ذلك الرجل.شيء أراد أن تراه هي تحديدًا.ولم تستطع تجاهل هذا الشعور.وصلت إلى الطابق الأرضي.ثم خرجت إلى الحديقة الخلفية.الهواء الليلي كان باردًا، والعشب لا يزال مبتلًا من المطر.أضواء الحراسة انتشرت في كل مكان.ورجال الأمن يتحركون بين الأشجار بعد الإنذار الذي انطلق قبل دقائق.ركض أحد الحراس نحوها.— يجب أن تعودي للداخل.— لا.— لكن...— أريد معرفة ماذا وجدتم.تردد الرجل.ثم أشار إلى منطقة قرب السور الحجري.— هناك.تحركت فورًا.وخلفها عدة حراس.وصلت إلى المكان.ونظرت للأسفل.تجمدت.لم يكن سلاحًا.ولا رسالة تهديد.بل ظرف أبيض صغير.بسيط جدًا.ومبتل جزئيًا بالمطر.تبادل الحراس النظرات.ثم قال أحدهم:— لم نفتحه.مدّت يدها.لكن الحارس أوقفها.— ربما يكون خطيرًا.رمقته بنظرة باردة.— ظرف ورقي؟— في عالمنا نعم.لم تستطع الاعتراض على منطقه.أخذ الحارس الظرف بحذر.وفتحه.ساد الصمت.ثم تغي
لم تنم ليان إلا ساعتين تقريبًا.كلما أغلقت عينيها عادت إليها أصوات الرصاص.صرخة بعيدة.زجاج يتحطم.صوت كمال وهو يأمرها أن تأتي إليه.وصوت آدم وهو يقف بينهما.فتحت عينيها قبل شروق الشمس بقليل.حدقت بالسقف عدة ثوانٍ.ثم جلست ببطء.كان القصر هادئًا على غير العادة.أو ربما هي التي أصبحت تسمع الصمت أكثر من السابق.مدّت يدها نحو كوب الماء فوق الطاولة.فاكتشفت أنه فارغ.تنهدت بضيق.هذا الشيء البسيط أزعجها أكثر مما يجب.منذ أسابيع أصبحت تنفعل لأسباب صغيرة جدًا.كوب فارغ.باب مفتوح.صوت مرتفع.أشياء عادية لا يلاحظها الناس غالبًا.لكنها كانت تشعر وكأن أعصابها مشدودة طوال الوقت.نهضت أخيرًا وفتحت الستارة.كانت إسطنبول تستيقظ ببطء.الضباب يغطي أجزاء من البحر.والسماء ما تزال رمادية.وللمرة الأولى منذ فترة...تمنت لو كانت شخصًا عاديًا.شخصًا يخرج للعمل صباحًا.يشتكي من الزحام.ويعود إلى منزله دون أن يفكر بمن يحاول قتله.ضحكت بخفة من الفكرة.ثم همست:— مستحيل.في الطابق السفلي...كان سليم الديب قد بدأ يومه منذ الخامسة صباحًا.كعادته.جلس خلف مكتبه الكبير يراجع عدة ملفات.رغم عمره، كان ينام أقل من م
كان المطر ينزل خفيف فوق إسطنبول، يلمع فوق الشوارع والزجاج الطويل لقصر آل الديب. المدينة من فوق كانت تبان هادئة… بس الهدوء أحيانًا يكون أكذب شيء ممكن تشوفه. ليان الديب كانت واقفة عند الشباك الكبير في غرفتها، تحمل كوب قهوة بارد، تنظر إلى الأضواء بشرود. لابسة روب أسود حرير، وشعرها الطويل نازل على
تجمّد الهواء داخل الغرفة الصغيرة.كان صوت الانفجارات بالخارج ما يزال يهزّ الفندق، لكن في تلك اللحظة تحديدًا…لم يعد هناك شيء أهم من النظرة التي ظهرت داخل عيني كمال السيوفي.نظرة رجل رأى شيئًا يخصّه بين يدي رجل آخر.شيء جعله يفقد آخر ذرة عقل بقيت داخله.وقف عند الباب، وصدره يرتفع وينخفض ببطء خطير، ب
دوّى صوت الرصاصة داخل الفندق كالصاعقة.تجمّد الجميع لثانية واحدة فقط…ثم انفجر المكان بالفوضى.صرخات.حراس يسحبون أسلحتهم.رجال يركضون داخل الممرات.وأصوات أجهزة الاتصال تعلو بجنون.أما ليان…فشهقت بخوف حين شعرت بيد قوية تسحبها للخلف فجأة.آدم.أدخلها خلفه مباشرة، بينما أخرج مسدسه الأسود بسرعة خاطف
انغلق باب الشرفة بعنفٍ خفيف خلف كمال، لكن التوتر بقي معلقًا في الهواء كالدخان الأسود.كانت ليان واقفة مكانها دون حركة، بينما المطر البارد يلامس أطراف شعرها الأسود، ويداها ترتجفان بخفة حاولت إخفاءها.أما آدم…فلم يُبعد عينيه عن كمال.كانت نظرات الرجلين كفيلة بإشعال حرب كاملة.كمال السيوفي لم يكن مجر







