Masukداخل مكتب إياد في الطابق العلوي من شركة «الحمدي»، بقيت نور واقفة قرب الواجهة الزجاجية بعد انتهاء المكالمة. كانت نيوفيرا تتحرك في الأسفل كأن شيئًا لم يحدث سيارات تعبر الشوارع بسرعة منتظمة، أبواق بعيدة تتداخل مع أصوات المدينة، وموظفون يخرجون ويدخلون من المباني دون أن يعرف أيٌّ منهم أن عالم شخص واحد قد يتغير بالكامل في لحظة. لكن داخل المكتب، لم يكن شيء طبيعيًا عادت عينا نور نحو الباب المغلق إياد هو من أغلقه عليها بنفسه. هذه الفكرة وحدها بقيت عالقة داخل رأسها بثقل مزعج هي تعرف أنه خائف. رأت ذلك بوضوح في عينيه. لكن لماذا تشعر إذًا أن خوفه بدأ يلتف حولها شيئًا فشيئًا… حتى أصبح يشبه القيد؟ تنهدت بخفة، ثم ابتعدت عن النافذة وجلست على الأريكة القريبة وفي اللحظة نفسها، اهتز هاتفها فوق الطاولة الزجاجية. رسالة جديدة من لمى ترددت نور للحظات قبل أن تفتح المحادثة، لكن ما إن ظهرت الصورة أمامها حتى تجمدت عيناها قليلًا.📸 كانت صورة قديمة إياد ولمى يقفان معًا داخل مناسبة رسمية فاخرة، يرتديان ملابس رسمية أنيقة، وخلفهما عدد من رجال الأعمال والشخصيات المعروفة. بدا إياد أصغر سنًا قليلًا… لكن نظرته
بقيت نور واقفة قرب الواجهة الزجاجية لمكتب إياد، تراقب السيارات الأمنية المنتشرة أسفل الشركة بعد خروجه برفقة علاء لكن شيئًا في المكان تغيّر. قبل دقائق فقط، كان المكتب مجرد مساحة واسعة وهادئة تطل على نيوفيرا. الآن… بدا لها وكأنه غرفة مغلقة الجدران نفسها لم تتغير، والواجهة الزجاجية ما زالت تعكس أبراج المدينة، لكن الهدوء أصبح ثقيلًا إلى درجة جعلت أنفاسها تبدو أعلى من اللازم. في الأسفل، تحرك رجال الحراسة بسرعة غير معتادة، بعضهم يتحدث عبر أجهزة الاتصال، وآخرون يفتشون محيط المبنى بعناية، نور ضمّت ذراعيها إلى جسدها دون وعي. الرسالة التي وصلت إلى إياد اختفاء أحد رجال الحراسة التشويش الذي أصاب الكاميرات ثم تلك النظرة التي رأتها في عينيه قبل أن يغادر الخوف إياد لم يكن غاضبًا فقط كان خائفًا عليها. وهذا تحديدًا ما جعلها أكثر خوفًا، تنفست ببطء، ثم ابتعدت عن النافذة واتجهت نحو الباب ربما كان من الأفضل أن تخرج وتبحث عنه بنفسها. وضعت يدها على المقبض. أدارته لم يتحرك، توقفت، حدقت في الباب للحظات، ثم حاولت مرة أخرى. هذه المرة بقوة أكبر لكن القفل الإلكتروني لم يصدر حتى صوتًا، تراجعت خطوة اتسعت ع
داخل شركة «الحمدي»، بقي الجو مشحونًا حتى بعد خروج لمى. أُغلق الباب خلفها بهدوء، لكن أثر وجودها ظل عالقًا في المكتب بطريقة لم تستطع نور تجاهلها. جلست قرب الطاولة الطويلة، والملفات مفتوحة أمامها، تحاول العودة إلى العمل لكن الكلمات أمام عينيها فقدت معناها عقلها لم يكن مع الأوراق. كان مع نظرات لمى… ومع ذلك الشعور الغريب الذي تركته خلفها. أما إياد الحمدي، فكان يقف أمام الواجهة الزجاجية الضخمة، يراقب مدينة نيوفيرا الممتدة أسفل المبنى، السيارات تتحرك الناس يعبرون الشوارع. المقاهي مزدحمة. كل شيء يبدو طبيعيًا لكن شيئًا في داخله كان يخبره بأن هذا الهدوء ليس حقيقيًا، كان ينتظر شيئًا ولا يعرف من أين سيأتي. علاء، الذي وقف قرب المكتب ممسكًا بجهازه اللوحي، ظل يراقبه لعدة لحظات قبل أن يتحدث أخيرًا:«منذ متى وأنت تلغي اجتماعاتك بهذه الطريقة؟» لم يجبه إياد فورًا بقيت عيناه معلقتين بالمدينة، ثم قال بصوت جامد:«ألغِ كل شيء اليوم.» ارتفع حاجب علاء:«لهذه الدرجة الوضع سيئ؟» التفت إياد إليه أخيرًا لم يحتج إلى أكثر من نظرة واحدة، اختفت السخرية من وجه علاء فهم فورًا أن الأمر لم يعد متعلقًا باجتماع أو ع
داخل شركة إياد الحمدي، كان الطابق العلوي يغرق في هدوئه المعتاد. خطوات الموظفين كانت خافتة، والأبواب الزجاجية تُفتح وتُغلق بانسيابية صامتة، بينما انعكست أضواء المدينة فوق الجدران اللامعة، لتمنح المكان برودةً أنيقة تشبه صاحبه تمامًا. داخل مكتب إياد الواسع، كانت نور تجلس قرب الطاولة الطويلة، تقلب بعض الملفات أمامها بتركيز متقطع عيناها تتحركان فوق الكلمات… لكن عقلها لم يكن هنا بالكامل منذ الصباح، وذلك الشعور الثقيل لم يغادرها كلمات لمى ما زالت تدور داخل رأسها بطريقة مزعجة أكثر مما تريد الاعتراف به.“الرجل بمكانة إياد يحتاج امرأة تناسب عالمه.” خفضت نور عينيها نحو الملف ثم أغلقت الصفحة دون أن تكمل قراءتها. رفعت كوب القهوة نحو شفتيها ببطء، لكنها أعادته إلى مكانه دون أن تشرب. حتى هي بدأت تلاحظ التغيير الذي يحدث داخلها. أصبحت تفكر كثيرًا في كل شيء يتعلق بإياد بطريقته معها بعالمه، وبالفارق الكبير بين حياتهما هي لم تكن تنتمي إلى هذا العالم. ولا تملك شركات، ولا اسمًا عائليًا يفتح لها الأبواب ومع ذلك كان إياد قد اختارها لكن هل كان اختياره كافيًا أمام كل شيء آخر؟⚠️ رنّ الهاتف الداخلي فجأة ر
في صباحٍ بارد داخل مدينة نيوفيرا، كانت الشوارع تنبض بحركة هادئة لا تنقطع. سيارات تعبر بانتظام، وأبراج زجاجية شاهقة تعكس ضوء الشمس الشاحب، بينما امتدت الظلال بين المباني الطويلة، لتمنح المدينة مظهرًا باردًا ودقيقًا. من الأعلى… كانت نيوفيرا تبدو مثالية لكن تحت ذلك الهدوء الأنيق، كانت هناك عيون تراقب وأشياء تتحرك في الخفاء أمام الفيلا الضخمة، خرج إياد ونور معًا. كان إياد طويل القامة، يقارب طوله مئة واثنين وتسعين سنتيمترًا، يقف بثبات يفرض حضوره قبل أن يتحدث. ارتدى جاكيتًا رماديًا أنيقًا فوق قميص داكن، وكانت ملامحه تجمع بين الهدوء الحاد والهيبة الصامتة وجهه لم يكن يكشف الكثير… لكن عينيه كانتا تحملان ذلك التركيز الذي لا يسمح لأي تفصيلة بالمرور دون ملاحظتها إلى جانبه كانت نور. شعرها الأسود الطويل انسدل فوق كتفيها بنعومة، تتحرك بعض خصلاته مع الهواء البارد. بدت بشرتها السمراء الصافية أكثر دفئًا تحت ضوء الصباح، بينما أبرز المكياج الخفيف ملامحها الهادئة دون مبالغة. ارتدت معطفًا أنيقًا بلون هادئ، يناسب بساطتها الراقية أما يدها فكانت ممسكة بيد إياد دون أن تنتبه حتى إلى أنها فعلت ذلك تلقائ
في صباحٍ هادئ داخل الفيلا الضخمة، تسللت أشعة الشمس ببطء عبر الستائر الرمادية الطويلة، لترسم خطوطًا ذهبية ناعمة فوق الأرضية الرخامية اللامعة. كان الهدوء داخل الغرفة مختلفًا… هادئًا بطريقة ثقيلة، ودافئة في الوقت نفسه، كأن العالم بأكمله توقف خلف هذه الجدران. لم يكن هناك صوت سوى أنفاسٍ منتظمة، وحفيف الهواء البارد القادم من الشرفة الزجاجية المفتوحة قليلًا فتحت نور عينيها ببطء شديد لكنها سرعان ما أغمضتهما من جديد بتعب. حتى تحريك رأسها فوق الوسادة بدا مرهقًا تنهدت بخفة، تحاول استيعاب المكان من حولها، قبل أن تتدفق ذكريات الليلة الماضية إلى ذهنها دفعة واحدة الفيلا إياد والليلة الماضية. اشتعلت حرارة خفيفة في وجنتيها حاولت أن تتحرك قليلًا، لكنها تجمدت فورًا عندما شعرت بذراع قوية ملتفة حول خصرها بإحكام، وكأن صاحبها يخشى أن تختفي إذا تركها للحظة. التفتت ببطء كان إياد نائمًا إلى جوارها قريبًا جدًا لم تكن تفصل وجهه عن وجهها سوى سنتيمترات قليلة، وأنفاسه الدافئة تلامس شعرها بهدوء. وللحظات… اكتفت بالنظر إليه ربما كانت هذه أول مرة تراه فيها بهذه الصورة بعيدًا عن حدته المعتادة. بعيدًا عن بروده و
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس







