في صباح اليوم التالي، وصلت كارما إلى المقهى وهي لا تزال تفكر في كلام المدير.
_ غدًا أريد أن نتحدث.
لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها، لكنها لم تكن مستعدة لأن تعطي الأمر أكبر من حجمه.
وضعت حقيبتها في مكانها، ثم بدأت عملها كالمعتاد.
بعد أقل من ساعة، دخل المدير.
نظر إليها من بعيد.
_ كارما، تعالي إلى المكتب.
رفعت رأسها.
_ الآن؟
_ نعم.
دخلت خلفه وأغلقت الباب.
جلست أمامه.
_ تحدث.
جلس المدير مقابلها، وبدا عليه التردد.
_ أريد أن أسألك سؤالًا.
_ اسأل.
_ هل تستطيعين التعامل مع ليام بطريقة مختلفة؟
عقدت حاجبيها.
_ ماذا تقصد؟
_ دون تحدٍ.
_ أنا لا أتحداه.
_ كارما.
_ هو الذي يستفزني.
_ أعرف.
_ إذن ماذا تريد مني؟
_ أن تتجاهليه.
ضحكت بسخرية.
_ هل هذا كل شيء؟
_ أريدك أن تحافظي على عملك.
توقفت عن الضحك.
_ ماذا تقصد؟
_ أقصد أن الأمور أصبحت أصعب.
_ بسبب ليام؟
لم يجب.
_ بسبب عائلته؟
ظل صامتًا.
_ كنت أعرف.
نهض المدير.
_ لا أريد أن أخسرك.
_ وأنا لا أريد أن أخسر عملي.
_ إذن ساعديني.
_ سأحاول.
_ لا أريد محاولة.
نظرت إليه.
_ سأفعل ما أستطيع.
خرجت من المكتب.
لكنها لم تكن تعرف أن ليام كان يقف في الخارج.
رفع عينيه إليها.
_ صباح الخير.
توقفت.
_ هل كنت تستمع؟
_ لا.
_ كاذب.
_ ربما.
_ تحب التدخل في كل شيء.
_ فقط الأشياء التي تهمني.
_ وأنا لا أريد أن أكون واحدة منها.
ابتسم.
_ هذا قرار ليس بيدك.
نظرت إليه بحدة.
_ لا تتدخل في عملي.
_ لم أتدخل.
_ إذن لماذا المدير خائف منك؟
تغيرت ملامحه قليلًا.
_ أنا لا أخيفه.
_ بل تخيفه.
_ وأنت؟
_ أنا لا أخاف منك.
ابتسم ليام.
_ أعرف.
ثم تجاوزها ودخل.
بقيت كارما مكانها للحظة.
ثم تمتمت:
_ مغرور.
مرّت ساعات قليلة بهدوء.
لكن الهدوء لم يدم.
في فترة الظهيرة، دخل رجلان إلى المقهى، وتبعهما ليام بعد دقائق.
جلسوا في الطاولة الخلفية.
هذه المرة لم تطلب كارما منهم شيئًا.
جاء أحد الموظفين ليأخذ طلباتهم.
لكن ليام أشار إليه.
_ أريد كارما.
وصلت الكلمة إليها.
التفتت.
_ أنا مشغولة.
رفع ليام حاجبه.
_ سمعتِني.
_ وأنا قلت لك إني مشغولة.
تدخل المدير بسرعة.
_ كارما.
نظرت إليه.
_ ماذا؟
_ خذي الطلب.
ذهبت إلى الطاولة.
_ ماذا تريد؟
ابتسم ليام.
_ قهوة.
_ شيء آخر؟
_ لا.
كتبت الطلب.
وقبل أن تستدير، قال:
_ وأريدك أنتِ أن تقدميها.
رفعت عينيها إليه.
_ ستصلك.
_ منك؟
_ من أي شخص.
_ لا.
_ لا ماذا؟
_ أريدها منك.
_ وأريد أن أعمل بهدوء.
_ يمكنك فعل الاثنين.
_ أنت تجعل الأمر مستحيلًا.
_ أنت تجعلينه كذلك.
استدارت وغادرت.
بعد دقائق، حملت القهوة واتجهت إلى الطاولة.
وضعتها أمامه.
_ تفضل.
مد يده نحو الكوب، لكنه لم يأخذه.
_ اجلسي.
_ لا.
_ خمس دقائق.
_ لا.
_ دقيقة.
_ ليام.
_ ماذا؟
_ أنا أعمل.
_ وأنا أطلب منك شيئًا بسيطًا.
_ وأنا أرفض.
ابتسم.
_ أنتِ فعلًا لا تعرفين كيف تقولين نعم.
_ وأنت فعلًا لا تعرف كيف تسمع لا.
ساد الصمت.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
_ هذه مشكلتي.
_ ليست مشكلتي.
التقط كوب القهوة.
_ يمكنك الذهاب.
استدارت.
لكن أحد الرجلين قال ضاحكًا:
_ يبدو أن هذه أول مرة يرفض فيها أحد طلبًا لليام.
توقفت كارما.
التفتت.
_ وهل تريد أن أصفق له؟
ضحك الرجل.
لكن ليام لم يضحك.
قال ببرود:
_ لا تتدخل.
سكت الرجل فورًا.
خرجت كارما.
بعد ساعة، حدثت المشكلة.
كان أحد الزبائن ينتظر طلبه منذ فترة، وبدأ يرفع صوته على أحد الموظفين.
اقتربت كارما.
_ أستاذ، طلبك سيصل خلال دقائق.
_ قلت هذا قبل عشرين دقيقة.
_ أعتذر.
_ كل شيء هنا فوضى.
تدخل ليام من مكانه.
_ إذا لم يعجبك المكان، يمكنك المغادرة.
التفت الرجل إليه.
_ لم أطلب رأيك.
نهض ليام.
_ وأنا لم أطلب إذنك.
اقتربت كارما بسرعة.
_ ليام، اترك الأمر.
_ هو يتحدث بطريقة سيئة.
_ وأنا سأتعامل معه.
_ لا أعتقد أنك تستطيعين.
_ أستطيع.
نظر إليها.
_ دائمًا تريدين أن تثبتي شيئًا.
_ وأنت دائمًا تريد أن تثبت أنك تستطيع السيطرة على الجميع.
تدخل المدير.
_ كفى.
نظر إلى الاثنين.
_ ليام، من فضلك اجلس.
ثم نظر إلى كارما.
_ وأنت عودي إلى عملك.
ابتعدت كارما.
لكن ليام بقي واقفًا.
_ أنا لن أقبل أن يتحدث أحد معها بهذه الطريقة.
نظرت إليه من بعيد.
لم تعرف لماذا أزعجتها جملته أكثر مما أراحتها.
ربما لأنها لم تطلب منه الدفاع عنها.
وربما لأنها لم تكن تريد منه أن يتصرف وكأنه يملك حق التدخل في كل شيء يخصها.
بعد انتهاء الدوام، استدعاها المدير إلى المكتب.
دخلت.
كان ليام موجودًا هناك.
توقفت عند الباب.
_ ماذا يفعل هنا؟
قال المدير:
_ اجلسي.
_ لن أجلس قبل أن أعرف لماذا هو هنا.
نظر ليام إليها.
_ اجلسي يا كارما.
_ لا تأمرني.
ابتسم.
_ كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.
قال المدير بسرعة:
_ كارما، الأمر ليس شخصيًا.
_ إذن ماذا؟
أخذ نفسًا عميقًا.
_ هناك شكاوى متكررة.
_ مني؟
_ عن المشاكل التي تحدث عندما يكون ليام هنا.
نظرت إلى ليام.
_ وأنت ماذا تريد؟
قال بهدوء:
_ لا شيء.
_ كاذب.
_ ربما.
تدخل المدير:
_ المشكلة أن وجودكما معًا أصبح يؤثر على العمل.
_ وأنا السبب؟
_ لم أقل ذلك.
_ لكنك تفكر فيه.
_ كارما...
_ لا.
رفعت يدها قليلًا.
_ أريد إجابة واضحة.
صمت المدير.
ثم قال:
_ أعتقد أن الأفضل أن ننهي عملك هنا.
تجمدت ملامحها.
نظرت إليه.
ثم إلى ليام.
_ تطردني؟
لم يجب المدير فورًا.
_ أنا آسف.
ضحكت كارما ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
_ بسبب ماذا؟
_ لأن الوضع لم يعد مناسبًا.
_ أنا أعمل هنا منذ شهور.
_ أعرف.
_ ولم أشتكِ من يوم.
_ أعرف.
_ وهو الذي يأتي ويثير المشاكل.
نظر المدير إلى الأرض.
فهمت.
لم تكن بحاجة إلى إجابة أخرى.
التفتت إلى ليام.
كان صامتًا.
نظرت إليه باحتقار.
_ مبروك.
رفع عينيه إليها.
_ على ماذا؟
_ حصلت على ما تريد.
قال بهدوء:
_ لم أطلب طردك.
_ لكنك السبب.
_ أنا لم أتخذ القرار.
_ لا تكذب.
اقترب خطوة.
_ أنا لا أكذب عليكِ.
_ لا أصدقك.
أخذت حقيبتها من على الكرسي.
_ أتمنى أن تكون سعيدًا.
_ كارما.
توقفت عند الباب.
_ ماذا؟
_ أنتِ تستحقين مكانًا أفضل.
نظرت إليه ببرود.
_ لا أحتاج نصيحتك.
ثم خرجت.
أغلقت باب المقهى خلفها.
لأول مرة منذ بدأت العمل هناك، لم تكن تحمل حقيبتها وهي تفكر في موعد دوامها التالي.
لم يعد هناك دوام تالٍ.
كانت غاضبة.
ومجروحة.
لكن أكثر ما أزعجها أنها لم تكن تعرف إن كان ليام قد خطط لهذا فعلًا، أم أن وجوده وحده كان كافيًا لتدمير الشيء الوحيد الذي أصرت على بنائه بنفسها.
ركبت السيارة.
وأعطت السائق عنوان المنزل.
هذه المرة لم يكن والدها هو من طلب منها العودة.
كانت هي من تحتاج إلى مواجهته.
وصلت كارما إلى المنزل، وأغلقت باب السيارة خلفها بقوة أكبر مما أرادت.
دخلت إلى الصالة وهي لا تزال تحمل حقيبتها.
كان ديفيد جالسًا على الأريكة، يتصفح بعض الأوراق.
رفع رأسه عندما رآها.
_ عدتِ مبكرًا.
لم تجبه.
خلعت معطفها ووضعته على الكرسي.
لاحظ ديفيد ملامحها.
_ ماذا حدث؟
_ طردوني.
توقفت يده عن الحركة.
_ ماذا؟
_ طردوني من المقهى.
وضع الأوراق جانبًا.
_ لماذا؟
_ لأن وجودي هناك أصبح مشكلة.
_ من قال ذلك؟
_ المدير.
_ وما السبب الحقيقي؟
ضحكت بمرارة.
_ ليام.
ظل ديفيد صامتًا.
لاحظت كارما ذلك.
_ أنت تعرفه.
_ أعرف اسمه.
_ وهذا يكفي.
_ ماذا فعل؟
جلست قبالته.
_ منذ أن بدأ يذهب إلى المقهى، لم يتركني وشأني.
_ كيف؟
_ يستفزني، يتدخل في عملي، يدخل مع رجاله، يتحدث مع المدير وكأنه صاحب المكان.
_ وهل حصل بينكما شيء آخر؟
نظرت إليه باستغراب.
_ ماذا تقصد؟
_ هل هددك؟
_ لا.
_ هل لمسَك؟
_ لا.
_ هل حاول إجبارك على شيء؟
_ لا.
توقف ديفيد لحظة.
_ إذن لماذا غضبتِ إلى هذه الدرجة؟
_ لأنني خسرت عملي بسببه.
_ هل أنت متأكدة أنه السبب؟
_ المدير لم يقلها بهذه الكلمات، لكنه لم يستطع حتى النظر في عيني.
_ وماذا قال ليام؟
_ قال إنه لم يطلب طردي.
_ وصدقته؟
_ لا.
_ لماذا؟
_ لأنه لا يعرف معنى كلمة لا.
خفض ديفيد عينيه للحظة.
_ يبدو أنكما تشاجرتما كثيرًا.
_ هو كان يستمتع بذلك.
_ وأنت؟
_ أنا كنت أحاول أن أعمل.
ابتسم ديفيد ابتسامة خفيفة.
_ هذا ليس جوابًا.
_ لا تبدأ.
_ لم أقل شيئًا.
_ وجهك قال.
ضحك بهدوء.
لكن كارما لم تضحك.
_ أنا جادة يا أبي.
_ وأنا أيضًا.
_ أنا أردت أن أثبت أنني أستطيع الاعتماد على نفسي.
_ وأثبتِّ ذلك.
_ لا.
نظرت إليه.
_ انتهى الأمر قبل أن أستطيع.
_ عملتِ فترة طويلة، تحملتِ الكثير، ولم تطلبي مني شيئًا.
_ لكنني طُردت.
_ وهذا لا يلغي ما فعلتِه.
سكتت.
ثم قال ديفيد:
_ ربما حان الوقت.
رفعت حاجبها.
_ حان وقت ماذا؟
_ أن تعودي للعمل معي.
تنهدت.
_ لا.
_ لم تسمعي ما سأقوله.
_ أعرف.
_ لا، لا تعرفين.
_ أبي، أنا لا أريد أن أعمل في شركتك.
_ لماذا؟
_ لأنني لا أريد أن أكون ابنة المدير.
_ ستكونين موظفة.
ضحكت.
_ موظفة؟
_ نعم.
_ في شركتك؟
_ في شركتي.
_ وكل شخص هناك سيعرف أنني ابنتك خلال خمس دقائق.
_ ربما.
_ إذن أين الاستقلال في الأمر؟
اقترب ديفيد قليلًا.
_ الاستقلال لا يعني أن ترفضي كل فرصة تأتيك من شخص تعرفينه.
_ وأنا لا أرفضها لأنها منك.
_ إذن لماذا؟
_ لأنني أريد أن أبني شيئًا بنفسي.
صمت ديفيد.
ثم قال:
_ حاولتِ.
_ نعم.
_ وفشلت التجربة.
نظرت إليه بحدة.
_ لا تقلها هكذا.
_ ماذا تريدين مني أن أقول؟
_ قل إنها لم تنجح.
_ حسنًا.
_ أفضل.
ابتسم.
_ التجربة لم تنجح.
_ شكرًا.
_ لكن هذا لا يعني أنك فشلتِ.
سكتت.
كانت هذه الجملة آخر شيء توقعت سماعه منه.
_ إذن لماذا تريدني أن أعمل معك؟
_ لأنني أريدك أن تتعلمي العمل الحقيقي.
_ والعمل في المقهى لم يكن حقيقيًا؟
_ كان حقيقيًا.
_ إذن؟
_ لكنه لم يكن المجال الذي أريدك أن تبقي فيه.
نهض ديفيد.
_ أعطيك أسبوعًا لتفكري.
_ لن أحتاج أسبوعًا.
_ فكري.
_ سأفكر.
_ جيد.
صعدت كارما الدرج.
وقبل أن تدخل غرفتها، التفتت.
_ أبي.
_ نعم؟
_ أنا لا أريد أن أراك تتعامل مع ليام بسببي.
تغير وجه ديفيد قليلًا.
_ لماذا قلتِ ذلك؟
_ لأنني أعرفك.
_ لا تتدخلي في هذا الأمر.
_ هذا ليس جوابًا.
_ كارما.
_ حسنًا.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
بقي ديفيد وحده.
أخرج هاتفه واتصل بأحد رجاله.
_ هل غادر ليام المقهى؟
جاءه الرد.
_ نعم.
_ وهل تحدث مع كارما بعد خروجها؟
_ لا.
أغلق ديفيد الهاتف.
ثم نظر أمامه.
_ جيد.
في الطابق العلوي، جلست كارما على سريرها.
فتحت حقيبتها وأخرجت بعض الأشياء الصغيرة التي كانت تستخدمها في عملها.
نظرت إليها للحظات.
ثم أعادتها.
لم تكن حزينة على المقهى بقدر غضبها من الطريقة التي انتهى بها كل شيء.
والأسوأ من ذلك أنها كانت تعرف أن والدها كان محقًا في شيء واحد.
لم تستطع إثبات استقلالها بالطريقة التي أرادتها.
لكنها لم تكن مستعدة بعد للاستسلام.
في صباح اليوم التالي، نزلت كارما إلى غرفة الطعام وهي تتوقع أن تجد والدها وحده.
لكنها توقفت عند الباب.
كان هناك رجلان يجلسان معه.
تغيرت ملامحها.
_ يبدو أن عندك اجتماعًا.
رفع ديفيد عينيه إليها.
_ اجلسي.
_ لا أحب هذه البداية.
_ كارما.
جلست، لكنها بقيت تنظر إلى الرجلين بشك.
قال أحدهما:
_ تشرفنا بلقائك.
_ وأنا أيضًا.
ثم التفتت إلى والدها.
_ ما الموضوع؟
وضع ديفيد فنجان القهوة جانبًا.
_ تذكّرين المناسبة التي أخبرتك عنها؟
_ التي كنت ترفض أن تقول لي سببها؟
_ نعم.
_ وماذا عنها؟
_ اليوم موعدها.
رفعت حاجبها.
_ اليوم؟
_ نعم.
_ وأنت تخبرني الآن؟
_ كنت ستعرفين على أي حال.
_ كان بإمكانك إخباري قبل أن أستيقظ.
_ كنت سترفضين.
_ صحيح.
ابتسم أحد الرجلين، لكن ديفيد نظر إليه فتوقف.
قالت كارما:
_ ومن هؤلاء؟
_ ممثلون عن عائلة فالكوني.
توقفت للحظة.
عاد الاسم إلى ذاكرتها.
فالكوني.
العائلة التي رفض والدها أن يتحدث عنها.
_ وما علاقتهم بنا؟
نظر ديفيد إليها مباشرة.
_ الليلة ستعرفين.
_ أنا أكره هذه الجملة.
_ أعرف.
وقفت.
_ سأذهب لأرتدي ملابسي.
_ كارما.
التفتت.
_ ماذا؟
_ ارتدي شيئًا رسميًا.
_ أعرف.
_ وستبقين بجانبي.
_ لا أعدك.
خرجت قبل أن تسمع رده.
بعد ساعات، كانت كارما تقف أمام المرآة.
ارتدت كارما فستانًا أسود طويلًا يصل إلى ما فوق الكاحلين بقليل، بقصة أنيقة وبسيطة تبرز قوامها دون مبالغة. كان الجزء العلوي محددًا عند الخصر، بينما ينسدل الفستان بانسيابية إلى الأسفل. أكمامه طويلة وناعمة، وفتحة صغيرة عند الرقبة أضافت له لمسة راقية.
تركت شعرها منسدلًا على كتفيها بتموجات خفيفة، واختارت أقراطًا فضية صغيرة وسوارًا رقيقًا في معصمها. ارتدت حذاءً أسود بكعب متوسط، وحملت حقيبة صغيرة تناسب الفستان.
نظرت إلى نفسها في المرآة.
_ على الأقل لن يقول أبي إنني أحرجته.
ثم أخذت حقيبتها ونزلت.
كل شيء في هذه المناسبة كان غامضًا.
والدها يتصرف بطريقة مختلفة.
عائلة فالكوني.
وذلك الرجل الذي دخل حياتها فجأة.
وضعت أقراطها ثم أخذت حقيبتها.
عندما نزلت، كان ديفيد ينتظرها.
نظر إليها.
_ جميلة.
_ لا تبدأ.
_ لم أقل شيئًا.
_ وجهك يقول إن هناك شيئًا.
_ الليلة ستعرفين.
_ إذا قلتها مرة أخرى سأغادر.
ابتسم.
_ هيا.
وصلوا إلى منزل عائلة فالكوني.
كان المكان أكبر بكثير مما توقعت كارما.
أضواء، سيارات فاخرة، رجال بملابس رسمية، وحراسة واضحة عند المدخل.
نظرت حولها.
_ أبي.
_ نعم؟
_ ماذا يحدث هنا؟
_ مناسبة عائلية.
_ هذه ليست مناسبة عائلية.
نظر إليها.
_ كوني هادئة.
دخلوا.
كان هناك عدد من الأشخاص يتحدثون في الصالة.
وفجأة، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
_ لم أتوقع أن أراك هنا.
تجمدت.
استدارت.
كان ليام يقف أمامها.
بدلته السوداء جعلته يبدو مختلفًا عن الرجل الذي اعتادت رؤيته في المقهى.
لكن ابتسامته المستفزة كانت نفسها.
_ أنت؟
_ أنا.
نظرت إلى والدها.
ثم عادت إليه.
_ أنت من هذه العائلة ؟
_ نعم.
_ ولماذا لم تخبرني؟
_ لم تسألي.
_ كنت أعرف أنك تخفي شيئًا.
ابتسم.
_ يبدو أن والدك فعل الشيء نفسه.
تقدم ديفيد.
_ ليام.
_ ديفيد.
تبادلا نظرة قصيرة.
ثم قال ديفيد:
_ كارما، تعالي معي.
نظرت إلى ليام.
_ يبدو أنني سأعرف أخيرًا سبب وجودي هنا.
ابتسم ليام.
_ وأنا أيضًا متشوق لمعرفة السبب.
بعد دقائق، اجتمعت العائلتان في غرفة جانبية.
جلست كارما بجانب والدها.
وكان ليام يجلس في الجهة المقابلة.
نظرت كارما إلى الجميع.
_ حسنًا.
لم يجب أحد.
_ أعتقد أن الوقت مناسب لأن يخبرني أحدهم لماذا أنا هنا.
قال والد ليام:
_ لأن هناك اتفاقًا بين عائلتنا وعائلة دييغو.
ضيقت عينيها.
_ أي اتفاق؟
نظر ديفيد إليها.
_ زواج.
ساد الصمت.
حدقت كارما فيه.
_ ماذا؟
_ زواجك من ليام.
نظرت إلى ليام.
كان ينظر إليها هو الآخر، لكن ملامحه لم تحمل الصدمة التي كانت على وجهها.
_ هل كنت تعرف؟
أجاب:
_ عرفت اليوم.
_ وهل هذا صحيح؟
_ نعم.
وقفت كارما.
_ لا.
قال والدها:
_ كارما.
_ لا.
_ اجلسي.
_ لن أجلس.
نظر إليها ليام.
_ اجلسي، لن يحدث شيء الآن.
التفتت إليه.
_ وأنت لا تتدخل.
رفع حاجبه.
_ بدأتِ من جديد.
_ لأنك تستحق.
تدخل والدها:
_ اسمعيني أولًا.
_ لا أريد أن أسمع.
_ هذا الزواج ليس قرارًا عشوائيًا.
_ بالنسبة لي هو كذلك.
قال والد ليام:
_ هناك مصالح بين العائلتين.
ضحكت كارما بصدمة.
_ مصالح؟
نظرت إلى والدها.
_ هل أنا صفقة؟
_ لا.
_ إذن لماذا تتحدثون عني وكأنني جزء من اتفاق؟
سكت ديفيد.
ثم قال:
_ لأن هناك عقدًا.
تجمدت.
_ عقد؟
وضع أحد الرجال ملفًا على الطاولة.
نظرت إليه كارما.
_ لا.
قال ديفيد:
_ اقرئيه أولًا.
_ لن أوقع.
_ لم أقل إن عليك التوقيع الآن.
نظرت إلى ليام.
كان هادئًا بشكل أثار غضبها أكثر.
_ وأنت؟
_ ماذا عني؟
_ هل ستقبل؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
_ لا أحب أن أرفض تحديًا قبل أن أعرف قواعده.
حدقت به.
_ أنا لست تحديًا.
_ أعرف.
ثم أضاف:
_ لكنك بالتأكيد أصعب واحدة واجهتها.
رفعت عينيها عنه.
_ هذا الزواج لن يحدث.
قال ديفيد:
_ هذا ما سنناقشه الليلة.
أغلقت كارما عينيها للحظة.
كانت تريد الخروج.
الهرب.
رفض كل شيء.
لكنها لم تكن تعرف أن هذه الليلة لم تكن بداية زواجها.
بل بداية ثلاث سنوات كاملة ستجد نفسها فيها مضطرة للعيش مع الرجل الوحيد الذي لم تحتمل حتى وجوده في مقهى.
بقيت كارما واقفة أمام الطاولة، تنظر إلى العقد وكأنها تنتظر أن يتحول إلى مزحة وينتهي كل شيء.
لكن أحدًا لم يضحك.
مد ديفيد يده نحو العقد.
_ اجلسي يا كارما.
_ لن أجلس.
_ اجلسي.
_ قلت لا.
تدخل والد ليام:
_ لا أحد يريد إجبارك على التوقيع الآن.
ضحكت كارما بسخرية.
_ جميل، لأنني لن أوقع أصلًا.
نظرت إلى والدها.
_ نرجع إلى المنزل.
لم يتحرك ديفيد.
_ كارما.
_ ماذا؟
_ لن نرجع الآن.
توقفت.
_ لماذا؟
_ لأن الموضوع لم يعد مجرد اقتراح.
شعرت بشيء غريب في صدرها.
_ ماذا تقصد؟
نظر ديفيد إلى ليام، ثم عاد إليها.
_ الاتفاق تم منذ سنوات.
_ أي اتفاق؟
_ بيني وبين عائلة فالكوني.
_ وما علاقتي أنا؟
صمت.
ثم قال:
_ الاتفاق ينص على زواجك من ليام.
حدقت فيه.
_ أنت كنت تعرف؟
_ نعم.
_ منذ متى؟
_ منذ أن كنتِ صغيرة.
اتسعت عيناها.
_ وأحضرتني إلى هنا وأنت تعرف هذا؟
_ لم أكن أريد إخبارك قبل أن يحين الوقت.
_ الوقت؟
ضحكت بصدمة.
_ أي وقت؟ الوقت الذي تقرر فيه أن تبيعني؟
تغيرت ملامح ديفيد.
_ لا تتحدثي بهذه الطريقة.
_ وكيف أتحدث؟
وقفت.
_ أنا ابنتك!
_ وأنتِ لن تكوني ضحية لهذا الاتفاق.
_ إذن ألغِه.
ساد الصمت.
قال ديفيد بهدوء:
_ لا أستطيع.
توقفت أنفاسها للحظة.
_ ماذا؟
_ لا أستطيع إلغاءه.
_ لماذا؟
_ لأن إلغاءه الآن سيضع العائلتين في مواجهة مباشرة.
_ هذا ليس شأني.
_ سيصبح شأنك.
_ لا!
ضربت يدها على الطاولة.
_ أنا لن أتزوج شخصًا لا أعرفه!
سمعت ضحكة خافتة من الجهة المقابلة.
التفتت.
كان ليام ينظر إليها.
_ ماذا؟
_ لا شيء.
_ تضحك؟
_ لأنك قبل دقائق قلتِ إنك لا تعرفينني.
_ وهذا صحيح.
_ تعرفينني أكثر مما تظنين.
_ لا تتفلسف عليّ.
ابتسم.
_ لم أفعل.
اقتربت منه خطوة.
_ اسمعني جيدًا، أنا لن أتزوجك.
نظر إليها بهدوء.
_ وأنا لم أطلب منك أن تحبيني.
_ لم أقل ذلك.
_ إذن لا داعي لهذا الغضب.
_ أنت مستفز.
_ وأنتِ عنيدة.
_ وأنت مغرور.
_ أعرف.
_ وتعتقد أن الجميع سيوافق عليك.
_ بالتاكيد.
_ وأنا لن أوافق.
مال قليلًا إلى الخلف.
_ سنرى.
نظرت إليه بغضب، ثم عادت إلى والدها.
_ أبي، نرجع.
_ كارما...
_ نرجع.
تنهد ديفيد.
_ الزواج سيتم.
شعرت كأن الأرض اختفت تحت قدميها.
_ لا.
_ كارما.
_ لا.
_ اسمعيني.
_ لن أسمع شيئًا!
اقترب منها ديفيد.
_ أمامك خياران.
نظرت إليه.
_ ما هما؟
_ إما أن يتم الزواج بالشروط التي اتفقنا عليها.
_ أو؟
سكت.
_ أو ماذا؟
قالها ديفيد بصوت منخفض:
_ تخسرين كل شيء بنيته وحدك.
تجمدت.
_ ماذا تقصد؟
_ السيارة، حسابك، المصاريف التي تدفعينها، وكل ما أعطيتك إياه لتعيشي باستقلالك.
_ أنت تهددني؟
_ لا.
_ هذا تهديد.
_ هذا قرار.
نظرت إليه بعدم تصديق.
_ لأنني رفضت الزواج؟
_ لأنك اخترتِ أن ترفضي الاتفاق الذي سيحميك ويحمي العائلة.
_ أنا لا أحتاج حماية.
قال ديفيد:
_ ستحتاجينها.
سكتت.
كانت تعرف والدها جيدًا.
عندما يصل إلى هذه النبرة، يكون القرار قد اتُخذ بالفعل.
التفتت إلى ليام.
كان صامتًا.
_ وأنت؟
_ ماذا؟
_ هل هذا يعجبك؟
نظر إليها.
_ لا أعرف بعد.
_ أنت مستمتع.
_ ربما قليلًا.
_ أنت مستحيل.
ابتسم.
_ قوليها مرة أخرى.
_ ماذا؟
_ مستحيل.
_ لا.
_ لماذا؟
_ حتى لا تعتاد سماعها.
ضحك.
للمرة الأولى، شعرت كارما أنها تريد رمي الكرسي عليه.
لكنها تراجعت.
أخذت نفسًا طويلًا.
_ متى؟
قال والدها:
_ بعد ثلاثة أسابيع تبدأ الخطوبة.
رفعت رأسها بسرعة.
_ ثلاثة أسابيع؟
_ نعم.
_ والزواج؟
سكت ديفيد.
نظر إلى والد ليام.
ثم قال:
_ بعد انتهاء فترة الخطوبة.
شعرت كارما بالغضب يصعد إلى رأسها.
_ أنتم خططتم لكل شيء.
لم يجب أحد.
نظرت إلى ليام.
_ وأنت؟
_ ماذا؟
_ هل ستوافق على كل هذا بسهولة؟
رفع حاجبه.
_ لماذا؟ هل تريدين مني الرفض؟
_ أتمنى.
ابتسم.
_ إذن لن أفعل.
حدقت به.
_ أكرهك.
_ لم نصل إلى هذه المرحلة بعد.
_ أي مرحلة؟
_ حتى الآن أنتِ فقط غاضبة مني.
ثم وقف.
_ أما الكراهية، فتحتاج وقتًا.
نظرت إليه بصدمة.
_ أنت فعلًا تستمتع بهذا.
_ قليلًا.
غادرت الغرفة قبل أن تقول شيئًا آخر، واتجهت إلى الخارج بخطوات غاضبة،
ركبت السيارة مع والدها، وطوال الطريق لم تنطق بكلمة.
صعدت كارما إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها
وضعت يدها على صدرها.
كانت تحاول استيعاب ما حدث.
زواج.
خطوبة.
ليام.
ثلاثة أسابيع.
كل شيء حدث في ليلة واحدة.
أخرجت هاتفها.
كانت تريد الاتصال بوالدها.
ثم تذكرت أنه يقف في الغرفة أسفلها.
ألقت الهاتف على السرير.
_ لن أتزوج.
قالتها لنفسها.
لكنها لم تكن تعرف أن والدها لم يمنحها خيارًا حقيقيًا.
وفي الأسفل، كان ديفيد يتحدث على الهاتف مع ليام وحدهما.
قال ديفيد:
_ أريد منك شيئًا واحدًا.
_ ماذا؟
_ لا تجعلها تكرهك أكثر مما هي عليه.
ابتسم ليام.
_ سأحاول.
_ أنا لا أمزح.
_ وأنا أيضًا.
ثم أضاف ليام:
_ لكنني لن أجبرها على شيء.
سكت ديفيد.
_ الزواج تم الاتفاق عليه.
_ أعرف.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
_ لكن يبدو أن الجزء الممتع سيبدأ الآن.
وفي غرفتها كانت كارما تفتح حقيبتها لتجمع أغراضها.
ثم توقفت.
نظرت إلى المرآة.
_ ثلاثة أسابيع.
قالتها بذهول.
_ ثلاثة أسابيع فقط قبل أن أصبح زوجة ليام فالكوني.
ثم رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
رسالة واحدة من والدها:
_ غدًا سنبدأ تجهيزات الخطوبة.
أغلقت عينيها.
ولم تكن تعرف أن الرجل الذي كانت تحاول التخلص منه طوال الأسابيع الماضية...
سيصبح بعد ثلاثة أسابيع خطيبها أمام الجميع.