เข้าสู่ระบบالفصل الرابع
الساعتان القادمتان ستكونان… بمثابة درسٍ حيّ في عالم الفتيان.
أجلس على سريري، أرمق المكان من حولي بدهشة لا أخفيها. الغرفة تعجّ بما يزيد عن مئة شاب، وكلّنا سنمكث هنا معًا طوال فترة الترشيح. وإذا حالفنا الحظ ونجحنا، سننتقل لاحقًا إلى القلعة… حيث المهاجع أكثر هدوءًا وخصوصية.
لكن، بصراحة؟ حتى ذلك الحين… أنا متحمسة.
الأجواء هنا مختلفة تمامًا عمّا اعتدت عليه. الضحكات تعلو بلا قيود، والصراخ يتردد في كل زاوية، وقد اندلع بالفعل شجاران بالأيدي، إلى جانب عدد لا بأس به من تحديات مصارعة الأذرع.
الفتيات؟ كنا نبتسم، نراقب بعضنا بنعومة، وربما تنتهي المنافسة بدموع رقيقة.
أما هنا؟ فالأمر أبسط وأكثر صخبًا—مصافحة قوية، ضربة على الظهر، وضحكة كفيلة بتحويل الغرباء إلى أصدقاء في لحظات.
لكن فجأة… يمرّ أحدهم بجواري مرتديًا ملابسه الداخلية فقط—وهو مشهد لم أكن مستاءة منه تحديدًا—لكن عينيّ اتسعتا بصدمة حقيقية حين تصرّف بوقاحة مفرطة وعفوية عندما مد يده داخل سرواله وبدأ يحك خصيتيه وكأن هذا تصرّف يومي عادي لا يستحق حتى التفكير.
تجمدتُ مكاني وفي تلك اللحظة تحديدًا… أدركت أنني دخلت عالمًا مختلفًا تمامًا. عالمٌ صاخب، جريء، بلا قيود… وعليّ أن أتقن العيش فيه، مهما كلّف الأمر.
قال جيسي فجأة، فانتفضتُ من مكاني على الفور. كان قد اعتلى سرير راف بخفة، مستندًا بثقله ليعلّق ذراعيه على حافة سريري، يطلّ عليّ بابتسامته الماكرة التي لا تخلو من عبث:
"ما رأيك يا ابن العم؟ هل ندمت على خياراتك الآن؟"
ظللتُ أحدّق حولي، مأخوذةً بالمشهد، قبل أن أتمتم بصوتٍ خافت تغلب عليه الدهشة:
"الأولاد... نوع مختلف تمامًا."
انحنى جيسي قليلًا، وعيناه تلمعان بسخريةٍ لطيفة وهو يراقب انبهاري الواضح، ثم همس ضاحكًا:
"أعتقد أن أميرتنا الصغيرة المدللة تحب ذلك."
ضحكتُ رغم ارتباكي، ورفعت إصبعي إلى شفتيّ في إشارةٍ سريعة للصمت:
"لا تخبر راف"، قلتها همسًا، مدركةً تمامًا أن أخي—كوالدي—لا يعرف سوى الحماية المفرطة.
غمز لي جيسي بخفة، وهمس بثقة:
"سرّك في أمان معي. فقط... حاولي أن تبدين أكثر صبيانية، حسنًا؟ أنت تجلسين هناك مثل بومة حظيرة صغيرة جميلة، تحدقين حولك بتلك العيون الواسعة."
سحبت نفسًا عميقًا، وقد أدركتُ أنه ربما يكون مُحق. عدّلت جلستي بتردد، قوّست ظهري قليلًا، وباعدت بين ساقيّ محاولةً التخلّص من ذلك التحفّظ الذي يفضحني.
"هل هذا أفضل؟" تمتمتُ بخفوت، ثم ضحكتُ على نفسي، إذ بدا الأمر غريبًا ومفتعلًا أكثر مما توقعت.
اتسعت ابتسامة جيسي، وقال بنبرةٍ مشجعة ممزوجة بالمشاكسة:
"فقط حكِ مؤخرتكِ أكثر قليلاً أمام الناس، دع الناس يرونكِ تتجشئين."
تجمّدتُ للحظة، وحدّقت به بصدمةٍ صريحة، قبل أن أقول بحدّةٍ لا تخلو من حرج:
"مستحيل."
ضحك جيسي بخفة، ثم مدّ ذراعه نحوي رافعًا معصمه، وقال بنبرةٍ غامضة:
"هاك."
عقدتُ حاجبيّ، وطرقتُ بأصابعي على قبضته المغلقة، متوقعةً أن يخفي شيئًا صغيرًا بداخلها، وسألته باستغراب:
"ماذا؟"
هزّ رأسه ضاحكًا، ثم أشار إليّ أن أقترب. انحنيتُ نحوه بحذر، لكن قبل أن أستوعب ما ينوي فعله، تحرّك بسرعةٍ خاطفة، ومرّر معصمه على جانبي رقبتي، ثم على معصميّ بحركةٍ سريعة ودقيقة.
تراجعتُ قليلًا، أقطّب جبيني في حيرة:
"وما فائدة هذا؟"
اقترب مني أكثر، وخفّض صوته حتى صار همسًا:
"علامات عطرية… أحيانًا تفوح منك رائحة فتاة، وهذا سيُخفيها قليلًا، أو على الأقل يجعلها أقل وضوحًا."
اتسعت عيناي، وقلتُ بارتباك:
"لكن… ألن تفوح مني رائحتك أنت إذن؟"
هزّ كتفيه بلا مبالاة، وكأن الأمر لا يستحق القلق:
"نحن أبناء عمومة. لن يلاحظ أحد، وحتى لو لاحظوا… لن يهتموا."
تمتمتُ بخفوت: "أوه…" ثم استندتُ إلى سريري، أراقبه وهو يقفز بخفة إلى الأرض، وينخرط في حديثٍ سريع مع شابٍ أشقر جاء ليعرّف نفسه لرافي.
لم يخطر ببالي من قبل أن رائحتي قد تفضحني… فكرةٌ أربكتني أكثر مما توقعت. ما الذي قد يكشف أمري أيضًا؟ كم تفصيلة صغيرة قد تخونني دون أن أدرك؟
حاولتُ أن أرتب أفكاري، أن أضع خطةً واضحة، لكن الغرفة سرعان ما امتلأت أكثر فأكثر، حتى صار التفكير نفسه مهمة مستحيلة.
لم يعد أمامي سوى المراقبة.
أراقبهم بدقة… حركاتهم، طريقتهم في الوقوف، في الضحك، في الكلام. أحاول أن أحفظ تفاصيلهم، أن أتشبّه بهم قدر الإمكان.
وسرعان ما اندمجوا جميعًا، كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن. يتحركون بثقةٍ في أرجاء الغرفة، يفرغون أغراضهم، يتبادلون التعارف، وتتشابك أصواتهم في فوضى حية…
أما أنا، فكنتُ أحاول أن أجد لنفسي مكانًا بينهم… دون أن أكون مختلفة.
ولهذا تحديدًا، شعرتُ بانقباضٍ مفاجئ يزعجني بشدة حين التفت رأسي إلى اليسار دون إرادة، وعيناي تبحثان بجنونٍ بين الوجوه لأن…
أقسم، لقد شممتُ للتو… أروع رائحةٍ عرفتها في حياتي.
اندفعت ذئبتي في داخلي بقوةٍ أربكتني—هي التي اعتادت السكون حتى أكاد أنسى وجودها—لكنها الآن كانت يقِظة، متحفزة، كأنها استيقظت على نداءٍ لا يُقاوم.
همست بأمرٍ حاد داخل رأسي:
"احصلي عليه."
ثم دفعتني بلا رحمة، تجبرني على التحرك، على البحث:
"اذهبي… ابحثي عنه… عليكِ أن تفعلي… إنه لنا."
"ماذا؟!" خرج صوتي مرتفعًا دون قصد، فجلستُ معتدلةً فجأة، وقد تسلل الخوف إلى صدري. لكنني، رغم ذلك، رفعت أنفي مرة أخرى… وكدتُ أئنّ من شدّة الإحساس عندما عادت تلك الرائحة تغمرني.
رائحة… لا تُقاوم.
مزيجٌ حاد من الحمضيات والبرغموت، يتداخل مع دفءٍ غامض يشبه رصيفًا مبللًا يشتعل تحت شمس الصيف، ولمسةٍ خفية من المشمش واللوز… عطرٌ حيّ، نابض، كأنه يناديني باسمي.
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ ينكسر في داخلي—انكسارًا حقيقيًا، يكاد يكون ملموسًا—كأن قوةً خفية تعيد ترتيب روحي، تمحو كل ما كنت أعرفه، وتعيد توجيه كل رغباتي، كل أهدافي… نحو شيءٍ واحد فقط.
نحوه.
نحوه هو.
"رفيقي!" عوت ذئبتي في داخلي، رافعةً صوتها بنشوةٍ تكاد تكون جنونية، تتراقص فرحًا وكأنها وجدت ضالتها أخيرًا.
"انطلقي! انهضي! ابحثي عنه—رفيقي! رفيقي! رفيقي!"
تسارعت أنفاسي، وضغطتُ جسدي إلى الوسادة، كأنني أحاول كبح هذا الانفجار الذي يشتعل داخلي…
لكنني كنت أعلم الآن.
أعلمه بيقينٍ يسري في عظامي، لا يقبل الشك—
رفيقي… هنا.
لكن، بينما كنتُ أحدّق حولي بذعرٍ متصاعد، شعرتُ بشيءٍ آخر… شيءٍ مختلف تمامًا… يشقّ طريقه نحوي.
انفلت من بين شفتيّ أنينٌ مسموع هذه المرة، وارتجفت شفتي السفلى دون سيطرة، بينما خارت قواي فجأة، فسقطتُ على وسادتي كأنني فقدت توازني الداخلي. أغمضتُ عينيّ بقوة، محاولةً الهروب… لكن الرائحة اجتاحتني رغمًا عني.
رائحةٌ أخرى.
أعمق… أثقل… وأكثر خطورة.
جلدٌ دافئ ممزوج بنفحات الويسكي، تتصاعد منه حرارة تشبه الجمر المتوهج، تتداخل مع حدّة الصنوبر في ليلةٍ قارسة، حيث يكاد الهواء نفسه يتجمد.
ارتجف جسدي بعنف.
لدهشتي، انكسر شيء آخر بداخلي—انكسارٌ مختلف، أعمق، هزّني من الأعماق حتى ارتعشت كتفاي، وكأن روحي تُشدّ في اتجاهين متضادين.
لأن… الآخر لا يزال هناك.
وهذا… أيضًا.
كلاهما حاضر.
كلا الرابطين ينبضان في داخلي الآن، يناديني كلٌ منهما بصوته الخاص، يدفعني، يجذبني… يطالبني بالركض نحوه.
لكن في اتجاهين متعاكسين تمامًا.
تسلل الغثيان إلى معدتي فجأة، ودار رأسي بعنف، كأن الجاذبية فقدت معناها، وكأن العالم يحاول أن يحدد لي شمالًا وجنوبًا في اللحظة ذاتها. بوصلتي الداخلية اختلّت… تدور بلا توقف، عاجزة عن الاختيار.
رفعتُ يديّ إلى صدغيّ، وضغطتُ عليهما بقوة، بينما انطلقت مني أنّة خافتة أخرى… محاولةً التماسك في وجه هذا الانقسام الذي يمزقني من الداخل.
"آري…" قال راف وهو يقترب من جانب السرير، ينحني قليلًا نحوي، وعيناه تفتشان وجهي بقلقٍ صريح. "هل أنت بخير؟"
لكنني لم أجب.
كنتُ مغمضة العينين بإحكام، أتشبث بصمتي، أحاول أن أُخمد الضجيج العاصف في داخلي—ذلك الصوت المجنون الذي لا يتوقف.
ذئبتي.
كانت تتحرك داخلي بلا استقرار، ذهابًا وإيابًا، تقفز بنشوةٍ طفولية، تدور حول نفسها بلهفةٍ لا تُحتمل، ولسانها يكاد يتدلى من فرط الحماس.
**انهضي!** دفعتني بإلحاح، وأسنانها تطرقع بفرحٍ متوتر. **اذهبي… ابحثي عنهما! الآن!**
"ماذا؟!" صرختُ في داخلي بذعر. *هذا جنون… لا يمكننا—نحن متنكرون!*
لكنها لم تستمع.
**انطلقي!** جاء أمرها حادًا هذه المرة—
وفجأة، وجدتُ نفسي أعتدل جالسة رغماً عني، وعيناي تنفتحان قسرًا، كأن قوة خفية انتزعتني من مكاني.
**اذهبي وابحثي عنهما! علينا أن نلتقي برفاقنا!**
رفعتُ رأسي، أبحث بجنون في أرجاء الغرفة… لكن كل شيء كان فوضى. وجوه، أصوات، أجساد تتحرك في كل اتجاه.
أعرف أنهما هنا.
أشعر بهما.
لكن… من هما؟
"بجدية يا آري…" قال راف، يحدق بي عن قرب، وصوته يزداد توترًا. "أنت شاحب جدًا… هل أنت بخير؟"
أدرتُ رأسي نحوه ببطء، وعيناي مضطربتان، وأنفاسي تتسارع بلا سيطرة.
وخلفه، كان جيسي قد التفت نحونا، ملامحه مشدودة بين الحيرة والقلق، يراقبني بصمتٍ.
فتحتُ فمي، أبحث عن أي كلمة—أي شيء—أتشبث به، أستجدي به مساعدتهما…
لكن قبل أن أنطق، دوّى تصفيقٌ حاد في صدر الغرفة، ارتطم بالجدران كصاعقة، فاستدرنا جميعًا نحوه في لحظة واحدة.
ساد صمتٌ كثيف، خانق، بينما اتجهت الأنظار إلى قائد الأكاديمية، الواقف هناك بثباتٍ صارم، تحيط به أربعة من ضباط الصف. كان رجلاً ضخم البنية، ملامحه قاسية متجعدة، وجهٌ لم يعرف الابتسام منذ سنوات طويلة… وربما لن يعرفه أبدًا.
لكنني لم أملك رفاهية التركيز عليه.
رأسي لا يزال يدور بعنف، والأرض تحت قدميّ تبدو غير ثابتة.
شددتُ على نفسي، أحاول تثبيت بصري إلى الأمام، أقاوم ذلك الإحساس المتفلت الذي يجذبني في كل اتجاه، بينما جسدي يحاول التأقلم قسرًا. لم أسمح لنفسي أن أنحرف—لا نحو الفوضى المحيطة بي، ولا نحو ذلك الصوت الداخلي المجنون…
ذئبتي، التي لا تزال تعوي بلا رحمة، تتوسل، تضغط، تدفعني نحو الجنون:
أن أذهب… أن أجدهم… أن أركض خلفهم… أن أمزق هذا الزي الآن و—
توقفت أفكاري قسرًا عندما انغرست نظرة القبطان فينا، حادة، مشبعة بالغضب، وكأن فوضانا الشخصية إهانة لا تُغتفر.
ثم قال بصوتٍ قاطع، لا يقبل النقاش:
"ادخلوا. لقد حان وقت امتحانكم الأول."
الفصل 161انطلق السهم من القوس والنشاب بسرعة خاطفة، وفي اللحظة نفسها اندفع رايت نحوي بكل قوته.كان قد حدد مكاني بدقة، سواء بفضل رائحتي التي التقطها، أم بسبب الزمجرة التي أفلتت مني دون قصد. ولم يحتج سوى جزء من الثانية ليدرك اتجاه الهجوم.لكنني لم أتراجع.كان السهم قد انطلق بالفعل، متجهًا مباشرة إلى صدره.وفجأة، لمح رايت مساره.استدار بجسده بعنف في اللحظة الأخيرة، محاولًا تفادي الإصابة القاتلة.نجح في تجنب صدره...لكن ليس السهم.انحرف مسار السهم قليلًا، واستقر في ذراعه.تمزق نسيج بزته العسكرية، وتناثرت قطرات من الدم في الهواء."آاااه!"زأر رايت من الألم، وتراجع خطوة وهو يحدق في ذراعه المصابة، ثم رفع رأسه نحوي بغضب مشتعل.لم أضيّع ثانية واحدة.استدرت ونهضت بسرعة، ومددت يدي نحو القوس والنشاب لأجهز سهمًا آخر.لكنني كنت أبطأ مما ينبغي.أبطأ بكثير.وقبل أن أتمكن من تثبيت المزلاج في مكانه، شعرت بظل ضخم يندفع نحوي.ثم...اصطدم بي رايت بكل ثقله.كان الأمر أشبه باصطدام قطار شحن بجسدي.طرت إلى الخلف وسقطت بعنف على الأرض، وانفلت الهواء من رئتي دفعة واحدة.صرخت من الألم والهلع، لكن صرختي اختنقت في
160***كانت قدماي تخطان الأرض بخفة وأنا أتحرك بين الأشجار، بينما أُمعن النظر في الخريطة بين يديّ. لم أحتج إلى وقت طويل حتى بدأتُ أفهم تضاريس المنطقة، وأربط المعالم الطبيعية من حولي بالعلامات المرسومة على الورق.وفي داخلي، شعرتُ بامتنان حقيقي لأبي وعمي روجر.فقد اصطحباني معهما في رحلات التخييم منذ سنواتي الأولى، وعلّماني كيف أقرأ الطبيعة وأتعامل مع الخرائط وأحدد اتجاهاتي في البرية. لم يستبعداني يومًا لمجرد أنني فتاة، بل عاملاني كما لو كنتُ قادرة على تعلم كل ما يتعلمه الآخرون.صحيح أن راف وجيسي حصلا على تدريب أكبر مني كلما تقدمنا في العمر. كانا قادرين حتى على العودة إلى المنزل ليلًا اعتمادًا على مواقع النجوم وحدها.أما أنا؟فلم أكن سيئة على الإطلاق في قراءة الخرائط.بل كنتُ واثقة من مهارتي فيها، وسعيدة جدًا لأنني تعلمتها الآن.رفعتُ عيني عن الخريطة، ثم قارنتُ ما رأيته بما هو مرسوم أمامي.هناك سلسلة من التلال تمتد بمحاذاة يميني.ابتسمتُ قليلًا.هذا سهل.كل ما عليّ فعله هو اتباع التلال حتى أصل إلى جسر من صنع البشر، ومن هناك أواصل الطريق نحو وجهتي.بدا الأمر أسهل مما توقعت.طيّتُ الخريطة و
159***أخذتُ نفسًا متقطعًا ما إن فتحتُ عيني فجأة، واندفع الهواء إلى رئتيّ بعنف، كأنني كنتُ غارقةً في بركة ماء وانتُشلتُ منها للتو.انتفضتُ في مكاني وأنا ألهث، ورفعتُ رأسي بسرعة، أُحدّق حولي بارتباك في المكان الغريب الذي وجدتُ نفسي فيه.للحظة، لم أستطع التفكير.كل ما خطر في ذهني، وبصورة سخيفة، أنني ما زلتُ أحلم.لكن هذا مستحيل.قبل عشر ثوانٍ فقط، كنتُ في غرفة السكن الجامعي مع أصدقائي.أما الآن...فأنا في وسط غابة.رمشتُ عدة مرات، وكأن عينيّ ترفضان تصديق ما تراه. احتجتُ إلى لحظات حتى أستوعب الحقيقة المربكة: هذه ليست غابة الأحلام التي التقيتُ فيها بلوكا.هذه غابة حقيقية.والأغرب أن الشمس كانت في طريقها إلى الغروب، ناشرةً بين الأشجار ضوءًا ذهبيًا باهتًا، بينما كنتُ قبل لحظات فقط في مكانٍ يسوده الليل.كيف حدث هذا؟ماذا فعلوا بي؟بدأت غرائزي تستعيد السيطرة على جسدي شيئًا فشيئًا. ثنيتُ ساقيّ تحتي، واستعددتُ للنهوض، بينما أخذتُ أُدير رأسي بحذر، أُراقب ما حولي وأحاول فهم ما يجري.كان جسدي مثقلًا بالخمول، وكل عضلة فيه تبدو وكأنها فقدت جزءًا من قوتها. شعرتُ بإرهاق غريب لم أفهم مصدره.لكنني متأكد
158***تأملتُ بن لبرهة طويلة، وكأنني أراه للمرة الأولى حقًا. ولدهشتي، وجدتُ دافني تفعل الشيء نفسه بجانبي، وإن كنتُ أشك في أننا كنا نراقب الشخص نفسه!رفعتُ حاجبي قليلًا وأنا أركز نظري على بن.حسنًا... بدأت ألاحظ أشياء لم أنتبه إليها من قبل.لاحظتُ الطريقة التي كان ينظر بها إلى راف.كان يميل برأسه إلى الخلف قليلًا كلما تحدث أخي يمنحه كامل انتباهه. وكان يضحك على نكات راف، حتى تلك التي لم تكن مضحكة إلى هذه الدرجة، بصراحة. والأغرب من ذلك أنه ظل يراقبه بعينيه حتى عندما بدأ لوكا يتحدث.تصلب ظهري قليلًا.انتظري لحظة...هل بن...؟لا، مستحيل.أو ربما... ليس مستحيلًا تمامًا؟ألقيتُ نظرة خاطفة على دافني، محاوِلةً معرفة ما إذا كانت قد لاحظت الشيء نفسه. لكنني تراجعت عن الفكرة فورًا.بن لم يقل شيئًا من هذا النوع قط، ومن أنا حتى أفسر نظراته أو أخمّن ما يدور في قلبه؟ ربما كان الأمر مجرد إعجاب بصديقه، أو اهتمام بحديثه، أو حتى شيء عادي تمامًا.لم يكن من حقي أن أضع افتراضات عنه لمجرد أنني لاحظت بعض النظرات.لكن عندما نظرتُ إلى دافني مرة أخرى، اكتشفتُ مفاجأة أخرى تمامًا.هي لم تكن تنظر إلى بن أصلًا!كانت
157***استقبلها راف فور دخولها بحفاوة، ثم انحنى وقبّل خدها قبلة أخوية جعلت وجهها يكتسي بحمرة خجولة.أما جيسي، فلم يفوّت فرصته في الاستعراض؛ أمسك يدها وقبّلها بطريقة مسرحية، وكأنه يستقبل دوقة في قصره.انفجرت دافني ضاحكة.وفي تلك اللحظة، تقدم لوكا نحوها ومد يده بابتسامة لطيفة، وظهرت غمازتاه بوضوح."مرحبًا، أنا لوكا غرا—""أوه، لا داعي لذلك."قاطعته دافني بلطف، وهي تضغط على يده مبتسمة."أنا أعرفكم جميعًا."ثم أخذت تتلفت حولها، حتى وقعت عيناها على المكان الذي كان يقف فيه جاكسون."لوكا جرانت، بن تيرنيكي..."ثم أشارت إليه."وجاكسون ماكلينتوك."رفع راف حاجبيه بدهشة."مثير للإعجاب. وكيف تعرفين كل هذه المعلومات؟"ابتسمت دافني لأخي، ثم أشارت إلى رأسها بإصبعها."حسنًا، والدك يدفع لي مبلغًا كبيرًا من المال حتى أحفظ كل هذه الأشياء هنا."ثم نقرت على صدغها بخفة."وبصراحة، ربما أستطيع أن أذكر حتى مقاساتكم جميعًا."رفع جيسي حاجبه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مشاكسة."حقًا؟"مال إلى الأمام قليلًا وقال بنبرة ماكرة:"وأي واحد منا يملك أطول... قياس للساق الداخلية؟"أطلقت تأوهًا طويلًا، ثم أملت رأسي إلى الخل
156***"لا..." قال جاكسون وهو يتجهم قليلًا، ثم بدأ يتراجع نحو الباب، وكأنه يبحث عن أي ذريعة تمنحه فرصة للفرار. تمتم بخجل بدا لطيفًا على نحو أثار ضحكتي: "أظن أنه لا ينبغي لي أن أبقى هنا...""جاكس!"انطلقت نحوه قبل أن يبتعد أكثر، وأمسكت بذراعه وسحبته إلى داخل الغرفة من جديد."الجميع سيصلون خلال ثلاثين ثانية فقط. تعال واجلس، أو..." توقفت لحظة وأنا أنظر إليه بنظرة ذات معنى، ثم ابتسمت. "بل لدي فكرة أفضل."سأجعلك مفيدًا بدلًا من أن تقف هناك كأنك على وشك الهرب.قادته إلى طاولة القهوة، ثم وضعت أمامه ورقة وقلمًا ودفعتهما نحوه.حدق جاكسون في الورقة بحيرة واضحة، ثم رفع عينيه إليّ."وماذا يُفترض بي أن أفعل؟"أجبته ببساطة وأنا أواصل ترتيب الغرفة، أعدل الوسائد وأطوي الأغطية بعناية:"اكتب فقط أننا نريد إرسال عشاء لشخصين إضافيين."أطلق جاكسون زفرة طويلة، كمن تلقى للتو مهمة شاقة تفوق قدراته، لكنه لم يجادلني. كتب الرسالة، ثم نهض واتجه نحو المصعد الصغير حاملًا إياها.راقبته للحظات، ولا تزال الدهشة تسيطر عليّ من وجوده هنا أصلًا.في الحقيقة، لم يكن من المنطقي أن أندهش كثيرًا. فأنا أدعوه إلى المجيء باستمرا
الفصل الثاني "أنتما الاثنان…" تمتم راف، وأنا أراقبه، فرأيته يضغط على جسر أنفه بين أصابعه، تمامًا كما يفعل أبي عند التفكير بجدية. "هذا سيُثير عاصفةً من المشاكل، وسأضطر لحلها كلها."ابتسم جيسي بخفة وضرب راف على ذراعه ضربة خفيفة:"لكنك الأفضل في حل مشاكلنا! هيا يا ابن عمي، إنها مغامرة."بعد ساعتين، و
الفصل الأول "كل ما عليك فعله… أن تجعل إيرين حاملاً في أسرع وقت. عندها ستظل أسيرة لك إلى الأبد."جاء صوت والد خطيبي باردًا، محسوب النبرة، كأنه يُبرم صفقة لا يتحدث عن إنسانة.ردّ خطيبي بثقة جافة:"إنها تعرف حدودها جيدًا. ستنصاع للقواعد، ولن يمر وقت طويل قبل أن تصبح زوجة مثالية."تقلّص قلبي فجأة، كأن
الفصل السابع قال لوكا وهو يميل رأسه قليلًا، يرمق خصمه من أعلى إلى أسفل بنظرةٍ متفحّصة:"انتظر لحظة… كيف نتأكد أننا نبحث عن الفتاة نفسها؟"انتفض قلبي داخل صدري. تحرّكتُ بخفّةٍ أكبر في الماء، أنزلق نحو الظلّ كأنني أذوب فيه، أتشبّث بأي بقعة عتمة قد تخفيني. يا إلهي… لو أن القمر فقط يختفي خلف جدران الأ
الفصل السادس أستيقظُ في جوف الليل على أنينٍ خافت، يتسلّل من بين شفتيّ مع ألمٍ يشدّ عضلاتي المتصلّبة ووجهي المرهق. أرفع يدي أتحسّس أنفي بحذر، فأجد أنه تعافى بدرجةٍ ملحوظة—حقًا، سرعة شفاء الذئاب تثير الدهشة—غير أنّ التورّم ما زال خانقًا، يحجب عني حتى أبسط الروائح.لكن ما إن اعتدلتُ جالسة، حتى أدركتُ






