LOGIN
كان المطر يهطل بغزارة، حتى بدا وكأن السماء قررت أن تغسل المدينة من ذنبٍ عالقٍ بها منذ سنوات.
توقفت سيارة أجرة أمام مقبرةٍ هادئة تتناثر فوق ممراتها أوراق الخريف المبتلة. دفعت ليان الأجرة، ثم ترجّلت ببطء، تحمل بين يديها باقةً من الزنابق البيضاء. لم تكن تزور هذا المكان كثيرًا... ليس لأنها نسيت. بل لأنها كلما وقفت أمام ذلك القبر، شعرت أن الجرح الذي حاول الزمن رتقه ينفتح من جديد. تقدمت حتى وقفت أمام شاهدٍ رخامي نُقش عليه: سامي الشاذلي رحل... وبقيت الأسئلة. خفضت رأسها وهمست: "اشتقت إليك يا أبي..." ارتجفت شفتاها وهي تضع الزهور برفق. "مرّت عشرة أعوام... وما زلت لا أصدق أنك رحلت بتلك الطريقة." ساد الصمت. لم يكن يُسمع سوى صوت المطر. ثم... لفت انتباهها شيءٌ أبيض استقر فوق القبر. ظرف. لم يكن موجودًا قبل لحظات. تجمدت في مكانها. نظرت حولها. المقبرة خالية. لا أحد. انحنت والتقطت الظرف، فإذا باسمها مكتوبٌ بخطٍ أسود: إلى ليان... إن كنتِ تريدين معرفة من قتل والدك، فلا تتجاهلي هذه الرسالة. تسارع نبضها. مزقت الظرف بسرعة. ولم تجد داخله سوى ورقة صغيرة كُتب عليها: "الحقيقة لم تُدفن مع الموتى... اذهبي الليلة إلى المصنع." اتسعت عيناها. المصنع؟ المصنع الذي احترق قبل عشرة أعوام؟ المكان الذي فقدت فيه والدها؟ كيف يمكن لأحد أن يطلب منها العودة إليه؟ وقبل أن تستوعب الأمر... رن هاتفها. ظهر رقمٌ مجهول. ترددت. ثم أجابت. لكن المتصل لم يتكلم. كانت هناك أنفاسٌ بطيئة فقط. ثم جاءها صوتٌ أجش، خافت، وكأنه يخرج من أعماق الظلام: "إن تأخرتِ الليلة... ستُدفن الحقيقة إلى الأبد." وانقطع الاتصال. --- في الجهة الأخرى من المدينة... توقفت سيارة سوداء فارهة أمام بوابة مصنعٍ مهجور. نزل منها رجل طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي معطفًا أسود. رفع بصره نحو المبنى المتفحم. لم يتغير شيء. حتى رائحة الاحتراق... ما زالت تسكن المكان. تقدم بخطوات ثابتة. ثم انحنى أمام قطعةٍ معدنية سوداء كانت ملقاة على الأرض. التقطها ببطء. وضغط عليها بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. تمتم بصوتٍ منخفض: "لم أنسَ وعدي يا يوسف..." أغمض عينيه للحظة. فرأى المشهد الذي يطارده منذ عشر سنوات. ألسنة اللهب. الصراخ. وجسد أخيه الصغير يُحمل خارج المصنع بلا حراك. فتح عينيه فجأة. وفي تلك اللحظة... اقترب منه أحد رجاله. وقال باحترام: "سيدي آدم... وصلتنا معلومة." استدار إليه. "تحدث." قال الرجل: "هناك من أرسل رسالة إلى ابنة سامي الشاذلي... يدعوها للحضور إلى هنا الليلة." ساد الصمت. ثم ارتسمت على شفتي آدم ابتسامة باردة. وقال: "إذن... بعد عشرة أعوام..." "حان وقت لقائنا الأول." --- في المساء... كان المصنع غارقًا في الظلام. دخلت ليان بخطوات مترددة، بينما يضيء مصباح هاتفها الطريق بصعوبة. كل زاوية في المكان كانت تهمس بذكرى مؤلمة. وفجأة... سمعت وقع خطوات. ليست خطواتها. توقفت. انقطع صوت المطر في أذنيها. وأصبح كل ما تسمعه... هو اقتراب شخصٍ منها. أدارت ضوء الهاتف بسرعة. لكنها لم ترَ أحدًا. ثم... خرج صوت رجل من خلفها، هادئًا، باردًا، يحمل من القسوة ما يكفي ليجمّد الدم في عروقها: "تأخرتِ عشر سنوات يا ليان..." استدارت مذعورة. وسقط الهاتف من يدها. وتجمّد وجهها عندما وقعت عيناها على الرجل الذي وقفت صورته في كل كوابيسها... آدم السيوفي. ارتجفت أنفاس ليان، وشعرت بأن الدم قد انسحب من وجهها. همست بصعوبة: ـ آدم... السيوفي؟ اقترب خطوة واحدة فقط. كانت ملامحه أكثر قسوة مما تتذكر، وعيناه تحملان ذلك البرود الذي لا يشبه سوى الشتاء. أجاب بصوت منخفض: ـ لم أتوقع أن تتعرفي إليّ بهذه السرعة. ابتلعت ريقها وهي تتراجع خطوة. ـ ماذا تريد مني؟ نظر إليها طويلًا قبل أن يقول: ـ السؤال الحقيقي... ماذا تريدين أنتِ من هذا المكان؟ رفعت الورقة التي وجدتها داخل الظرف. ـ وصلتني هذه الرسالة. ألقى نظرة سريعة عليها، ثم عاد ينظر إليها. لم يظهر على وجهه أي اندهاش. بل بدا وكأنه كان ينتظر ذلك. قال بهدوء: ـ وأنا أيضًا وصلتني رسالة. تسمرت في مكانها. ـ ماذا؟ أخرج من جيب معطفه ظرفًا مشابهًا تمامًا. كان يحمل اسمه. وفي داخله عبارة واحدة: "إن أردت معرفة قاتل أخيك... اذهب الليلة إلى المصنع." ساد الصمت. لأول مرة... شعرت ليان أن الأمر أكبر من مجرد صدفة. لكنها سرعان ما تماسكت. وقالت بحدة: ـ ربما أنت من أرسل الرسالة لتوقعني في فخ. ابتسم بسخرية. ـ ولو أردت إيقاعك في فخ... لما احتجت إلى رسالة. اشتعل الغضب في عينيها. ـ إذن لماذا أنا هنا؟ ـ هذا ما أحاول معرفته. قاطع حديثهما صوت ارتطام حديدي عنيف في الطابق العلوي. التفت الاثنان في اللحظة نفسها. ثم... عمّ السكون. قال آدم بلهجة آمرة: ـ ابقي خلفي. رفعت ذقنها بعناد. ـ لا تصدر أوامرك لي. وقبل أن تكمل... انطفأ ضوء هاتفها فجأة. غرقت القاعة في ظلام دامس. سمع الاثنان صوت خطوات سريعة. ليست خطوة واحدة... بل أكثر من شخص. تسارعت أنفاس ليان. وشعرت لأول مرة بالخوف الحقيقي. همست: ـ هل سمعت؟ أجاب آدم دون أن يحول نظره عن الظلام: ـ نعم... لسنا وحدنا. وفجأة... انطلقت رصاصة. ارتطمت بالعمود الحجري على بعد سنتيمترات من رأس ليان. صرخت دون إرادة. وفي اللحظة التالية... أمسك آدم بيدها بقوة وجذبها خلف أحد الجدران الخرسانية. دوى إطلاق نار ثانٍ. ثم ثالث. وتطاير الغبار من حولهما. كانت أنفاسها متلاحقة، بينما لا تزال يدها بين يديه. قال بصوت خافت: ـ يريدون قتلك. نظرت إليه في ذهول. ـ ماذا؟ ـ لو كانوا يريدون قتلي... لكانت الرصاصة الأولى نحوي. لكنها كانت موجهة إليكِ. قبل أن تستوعب كلماته... سمعا صوتًا آتيًا من الظلام. صوت رجل مشوه عبر جهاز لتغيير النبرة. قال ببطء: "من يبحث عن الحقيقة... يموت كما ماتوا." ثم دوى انفجار صغير في الجهة المقابلة. واهتزت أرض المصنع تحت أقدامهما. رفع آدم رأسه بسرعة. وقال بحدة: ـ علينا الخروج... حالًا. لكن عندما استدار نحو الباب الرئيسي... وجد الباب الحديدي قد أُغلق من الخارج بسلسلة ضخمة. وأدرك الاثنان... أن من استدرجهما إلى هذا المكان... لم يكن يريد لقاءهما. بل كان يريد دفنهما داخله. تقدّم آدم نحو الباب الحديدي بسرعة، وأمسك بالسلسلة الغليظة التي أُحكمت حوله. شدّها بكل قوته. لم تتحرك. زفر بضيق وهو يطرق الباب بقبضته. ـ إنها مُقفلة من الخارج. ألقت ليان نظرة سريعة حولها، وقد بدأ الذعر يتسلل إلى ملامحها. ـ ماذا سنفعل؟ لم يجبها. كان يصغي. هناك صوت... صوت خافت يشبه العدّ التنازلي. عبس وهو يلتفت نحو القاعة. ثم اتسعت عيناه فجأة. ـ انبطحي! لم يمنحها فرصة لتسأله. اندفع نحوها، وأحاطها بذراعيه، ثم طرحها أرضًا في اللحظة نفسها. دوّى انفجار عنيف. تناثرت شظايا الزجاج والحديد في كل اتجاه. اهتز المبنى بأكمله، وسقط جزء من السقف على بعد أمتار قليلة منهما. ساد المكان غبار كثيف، حتى كادت الرؤية تنعدم. سعلت ليان بعنف وهي تحاول التقاط أنفاسها. شعرت بثقل فوق جسدها. رفعت رأسها بصعوبة... لتجده ما يزال يحميها بجسده. همست بدهشة: ـ أنت... مصاب؟ نظر إلى كتفه. كانت قطعة معدنية قد مزقت القماش، وبدأ الدم يتسلل ببطء. قال ببرود: ـ خدش بسيط. نظرت إليه غير مصدقة. أي رجل هذا الذي يصف نزيفًا كهذا بأنه خدش؟ لكنها لم تملك وقتًا للتفكير. فقد عاد ذلك الصوت الغامض يتردد عبر أرجاء المصنع. "هذه مجرد البداية..." "المرة القادمة... لن ينجو أحد." ثم انقطع الصوت تمامًا. ساد صمت ثقيل. وقف آدم ببطء، ثم مد يده إليها. ترددت لحظة. ثم أمسكت بها. ساعدها على الوقوف دون أن ينظر إليها. وفجأة... وقعت عينا ليان على شيء يلمع وسط الركام. اقتربت بحذر. ثم انحنت والتقطت قطعة معدنية صغيرة. كانت قلادة فضية سودها الحريق. مسحتها بطرف معطفها. لتظهر عليها حروف محفورة بوضوح. "س.ش" تجمدت في مكانها. همست: ـ هذه... هذه تخص والدي. التفت آدم إليها بسرعة. انتزع القلادة من يدها، وحدق فيها طويلًا. ثم تغيرت ملامحه للمرة الأولى. همس وكأنه يحدث نفسه: ـ مستحيل... قالت بحدة: ـ ماذا تعرف عنها؟ رفع رأسه إليها. وقبل أن يجيب... رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه تمامًا. كان المتصل مجهولًا. أجاب بصمت. فجاءه الصوت نفسه... لكن هذه المرة كان أكثر هدوءًا. "أخبرني يا آدم..." "كيف كان شعورك وأنت تنقذ ابنة الرجل الذي قتل أخاك؟" ثم أغلق الخط. قبض آدم على الهاتف حتى كاد يحطمه. أما ليان... فقد كانت تحدق فيه، وقد سمعت الجملة كاملة. تراجعت خطوة إلى الخلف. وقالت بصوت مرتجف امتزج بالغضب والخذلان: ـ إذًا... ما زلت تؤمن أن أبي قاتل أخيك. رفع عينيه إليها. ولم ينكر. بل قال ببرود مؤلم: ـ حتى هذه اللحظة... نعم. شعرت وكأن شيئًا انكسر داخلها. استدارت راحلة. لكن قبل أن تخطو خطوتها الأولى... سمعا صوت صفارات سيارات الشرطة يقترب من المصنع. تبادل الاثنان نظرة سريعة. ولم يكونا يعلمان... أن الشخص الذي أبلغ الشرطة... قد ترك لهم دليلًا واحدًا فقط. دليلًا سيجعل القضية التي أُغلقت قبل عشر سنوات... تُفتح من جديد.أبوك الحقيقي توقفت ليان عن التنفس. كان الرجل الواقف أمامهما يشبه آدم بدرجة مخيفة. نفس ملامح الوجه... نفس العينين... لكن السنوات تركت على وجهه قسوة لم تكن موجودة في ملامح آدم. أما آدم، فبقي جامدًا. كأنه فقد القدرة على الكلام. قال أخيرًا: ـ أنت... ابتسم الرجل. ـ نعم. ـ أنت مت. ـ الجميع يعتقد ذلك. ـ رأيت قبرك. ـ القبر لا يعني أن صاحبه مات. اقترب آدم خطوة. ـ أين كنت طوال هذه السنوات؟ ـ أراقبك. ـ لماذا؟ ـ لأعرف إن كنت ستصل إلى الحقيقة. ضحك آدم بمرارة. ـ الحقيقة؟ وأشار إلى ليان. ـ أي حقيقة؟ أنني لست ابنك؟ ـ هذه واحدة منها. تدخلت ليان: ـ من أنت؟ نظر إليها الرجل. ـ اسمي نادر السيوفي. ثم قال: ـ وأنا والد آدم. سألته: ـ ولماذا كنت موجودًا ليلة الحريق؟ تغيرت ملامحه. ـ لأنني كنت أحاول إنقاذكما. قال آدم: ـ أنا وليان؟ ـ نعم. ـ لماذا؟ صمت نادر. ثم قال: ـ لأن أخي كان يريد قتلكما. اتسعت عينا آدم. ـ أي أخ؟ ـ سامي. تجمدت ليان. ـ عمي؟ ـ نعم. قال نادر: ـ سامي لم يكن يحميك يا ليان. ـ إذن لماذا كان يتظاهر
لم تتحرك ليان. كانت الجملة الأخيرة تدور في رأسها كأنها رصاصة لم تجد طريقها للخروج. "أنتما تشتركان في الأب نفسه." نظرت إلى آدم. كان وجهه شاحبًا. لكن عينيه لم تغادرا عيني الرجل. قال آدم: ـ أعطني الورقة. لم يتحرك الرجل. ـ لماذا؟ ـ أعطني الورقة. اقترب ياسين، وانتزع الملف من يد الرجل، ثم أعطاه لآدم. فتح آدم التقرير. قرأ السطور مرة... ثم أعاد قراءتها. كانت نتيجة فحص الحمض النووي واضحة. تطابق بنسبة كبيرة. رفع عينيه ببطء. ـ هذه النتيجة مزورة. ابتسم الرجل. ـ لماذا أنت متأكد؟ ـ لأنني أعرف فصيلة دم أبي. ـ الورقة لا تتحدث عن فصيلة الدم. ـ بل تتحدث عني. ثم أشار إلى النتيجة. ـ لكن العينة المستخدمة ليست لي. تغير وجه ياسين. قال: ـ كيف عرفت؟ ـ لأنني أجريت فحصًا منذ سنوات. ـ ولماذا؟ ـ بسبب مرض وراثي في العائلة. توقف. ثم نظر إلى ليان. ـ ولو كانت النتيجة صحيحة... صمت. لم يستطع إكمال الجملة. قالت ليان: ـ ماذا؟ رفع عينيه إليها. ـ لكانت كل تحاليل حياتي كاذبة. قال سامي من الخلف: ـ لأنها كاذبة فعلًا. التفت الجميع إليه. ك
ظلّت ليان تحدّق في سليم.الرجل الذي قيل إنه مات منذ سنوات...يقف أمامها الآن.حيًّا.هادئًا.وكأنه لم يختفِ من العالم يومًا.قال آدم بحدة:ـ سليم...ابتسم الرجل.ـ اشتقت إليك يا آدم.رفع آدم سلاحه.ـ لا تتحرك.ضحك سليم.ـ ما زلت تتصرف بعقل الصبي الذي كنت عليه.ـ وأنت ما زلت تهرب من الحساب.ـ الحساب؟تقدم سليم خطوة.ـ لو كنت تعرف نصف ما أعرفه، لعرفت أنني لم أهرب من شيء.قالت ليان:ـ أنت قتلت أبي؟نظر إليها سليم.ـ أي أب تقصدين؟تجمدت.ـ ماذا؟ـ سامي الشاذلي؟ثم ابتسم.ـ أم سامي السيوفي؟شهقت ليان.نظر آدم إليه.ـ ماذا تقصد؟قال سليم:ـ والدك الحقيقي ليس هو السؤال الذي يجب أن تبحث عنه.ثم أشار إلى ليان.ـ السؤال هو: لماذا كنتِ أنتِ المفتاح؟قالت:ـ مفتاح ماذا؟ـ للحقيقة.ـ كفى ألغازًا!ارتفع صوتها.ـ أين أبي؟قال سليم:ـ حي.تنفست بارتجاف.ـ أريد أن أراه.ـ سترينه.ـ الآن.ـ ليس بعد.تدخل آدم:ـ لن تلمسها.نظر إليه سليم.ـ أنت لا تزال تحميها.ـ نعم.ـ رغم ما حدث لأخيك؟ـ أنت تعرف أن ياسين لم يمت.اختفت الابتسامة من وجه سليم.ـ إذن قابلته.ـ نعم.ـ خطأ.قال آدم:ـ لماذا؟ـ لأن ياسين لا ي
الوجه الذي في الذاكرةظلّت ليان تحدّق في آدم.لم يكن في عينيها اتهام واضح...ولا ثقة.كان هناك شيء أسوأ.الخوف.الخوف من أن تكون ذاكرتها قد قالت الحقيقة أخيرًا.أما آدم فبقي ثابتًا، رغم أن الكلمات التي قرأها على الورقة كانت تدور في رأسه:"اسأل ليان عمّن ضغط الزر."قال بصوت خافت:ـ ليان...رفعت يدها.ـ لا تقترب.توقف.ـ أنا لم أفعل شيئًا.ضحكت بمرارة.ـ لكن ذاكرتي تقول إنك فعلت.ـ ذاكرتك مجتزأة.ـ كيف تعرف؟ـ لأنني كنت طفلًا وقتها.ـ وأنا كنت طفلة.ـ بالضبط.اقترب خطوة، ثم توقف عندما رآها تتراجع.ـ أنتِ لا تتذكرين ما حدث قبل الزر، ولا ما حدث بعده.قالت:ـ لكنني أتذكرك.ـ ماذا رأيتِ؟أغمضت عينيها.عاد المشهد.مصنع.دخان.صرخات.والدها.رجل يحمل خاتم الذئب.ثم...آدم.كان واقفًا أمامها.مد يده نحو زر أحمر.وقال:"اضغطيه."فتحت عينيها فجأة.ـ كنت هناك.قال آدم:ـ نعم.ـ وكنت تعرف ماذا سيحدث.ـ لا.ـ لماذا إذن طلبت مني الضغط عليه؟ـ لم أطلب منك.ـ أنا رأيتك!ـ رأيتِ شيئًا حدث منذ عشر سنوات وأنت طفلة، ولا تعرفين إن كان حقيقيًا أم ذكرى زرعها أحد في رأسك.صمتت.كان كلامه منطقيًا.لكن قلبها لم
لم تستطع ليان أن تتنفس.كانت الذكرى أمام عينيها واضحة هذه المرة.رجل يقف أمامها وهي طفلة.صوته هادئ.حنون.لكنه ليس صوت والدها.ومع ذلك...كانت تناديه:"أبي."وضعت يدها على فمها.ـ هذا ليس أبي...قال آدم:ـ ماذا رأيتِ؟هزت رأسها.ـ رجل آخر.ـ من؟ـ لا أعرف.ثم رفعت عينيها إليه.ـ لكنه كان يتصرف كأنه أبي.اقترب آدم منها.ـ هل رأيتِ وجهه؟أغمضت عينيها.حاولت استدعاء الصورة.لكن وجه الرجل ظل غارقًا في الظلام.قالت:ـ لا.ثم همست:ـ لكنني أتذكر شيئًا.ـ ماذا؟ـ كان يضع خاتم الذئب.تبادل آدم وليان النظرات.قال آدم:ـ إذن الخاتم لم يكن دليلًا على شخص واحد.ـ ماذا تقصد؟ـ كل شخص رأيناه كان يحمل الخاتم.ـ أبي...ـ ياسين...ـ سليم...ـ وربما الرجل الذي قتل العقيد.قالت ليان:ـ إذن الخاتم رمز.أومأ آدم.ـ وليس هوية.***اقترب آدم من جهاز التسجيل.أعاد المقطع الأخير.هذه المرة ركز على صوت الطفل."اضغطي الزر يا ليان."ثم أعاد تشغيله.مرة ثانية.وثالثة.قالت ليان:ـ هناك شيء خلف الصوت.رفع آدم الصوت.ظهر تشويش خافت.ثم صوت آخر.رجل يتحدث بعيدًا.ـ عندما تضغط الزر، سينتهي كل شيء.ثم صوت سامي:ـ لا!
الزر الأحمرتوقفت ليان عن التنفس.كانت تنظر إلى آدم وكأنها تراه للمرة الأولى.ـ أنت قلت لي أن أضغط الزر...لم يجب.ـ أليس كذلك؟قال آدم بصوت منخفض:ـ لا أتذكر.ضحكت بمرارة.ـ بالطبع لا تتذكر.ـ ليان، كنت طفلًا.ـ لكنني كنت طفلة أيضًا!ارتفع صوتها:ـ لماذا أتذكر أنا وحدي؟!اقترب منها آدم.فتراجعت.توقف مكانه.كانت المسافة بينهما أكبر من أي وقت مضى.قال:ـ لا أعرف ماذا حدث في تلك الليلة.ـ لكنك كنت هناك.ـ نعم.ـ وقلت لي أن أضغط الزر.ـ ربما...توقف.ـ ربما كنت أحاول إيقاف شيء.قال الرجل الغامض:ـ لا تكذب عليها يا آدم.استدار آدم نحوه.ـ أنت لا تعرف شيئًا.ابتسم الرجل.ـ بل أعرف أكثر منك.رفع آدم سلاحه.ـ اخلع القناع.ـ لماذا؟ـ أريد أن أعرف من أتحدث إليه.ـ ستعرف.ثم نظر إلى ليان.ـ لكن ليس الآن.قالت ليان:ـ لماذا تجمعونني حول هذه الذكريات؟ـ لأنك الوحيدة التي تستطيعين فتح الحقيقة.ـ وأين أبي؟ـ قريب.ـ أريد رؤيته.ـ سترينه.ـ متى؟ابتسم.ـ عندما تتذكري من أعطاك الأمر.ثم استدار نحو الباب.قال آدم:ـ لن تخرج.توقف الرجل.ـ لو أردت قتلكما، لما تحدثت إليكما كل هذا الوقت.ثم أضاف:ـ اسأل







