LOGINحاولت تغيير الموضوع بسرعة. "ناوليني كوب ماء." هزت داليدا رأسها وأحضرت كوبًا ممتلئًا مدته نحوها. لكن ما إن أمسكت فاتن الكوب حتى ارتجفت يدها فجأة. وسقط الكوب من بين أصابعها، تحطم على الأرض بصوت حاد. شهقت داليدا بفزع. بينما شعرت فاتن بأن الغرفة كلها تدور حولها، تشوشت رؤيتها، واختلطت الأصوات في أذنيها. وفي تلك اللحظة خرج مازن من الحمام. رفع رأسه فورًا عند سماع الصوت، واقترب بخطوات سريعة. "ماذا حدث؟" أجابت داليدا بسرعة. "لا شيء... سقط الكوب من يدها فقط." التفتا نحو فاتن.. لكنها كانت مستلقية وعيناها مغلقتان. تجمدت داليدا. "خديجة؟" لكن لا رد.. اقتربت أكثر. "خديجة!" انتشر القلق في الغرفة كالنار، أسرعت داليدا تهزها برفق. بينما كان مازن يراقب بصمت، إلا أن التوتر كان واضحًا في نظراته. أخيرًا فتحت فاتن عينيها ببطء. تنفست داليدا براحة. "هل أنتِ بخير؟" رفعت فاتن يدها إلى جبينها. "لا أعلم..." اعتدلت في جلستها بصعوبة. "هناك شيء غريب يحدث معي هذه الأيام." ضاقت عينا مازن فورًا. "تقصدين أن هذه ليست المرة الأولى؟" هزت رأسها. "أول مرة أفقد وعيي." ثم أضافت بتعب. "لكنها ليست
في صباح اليوم التالي... خرجت داليدا من غرفتها وهي تتمطى بخفة بعد ليلة هادئة من النوم. سارت في الممر بخطوات بطيئة، لكن ما إن رفعت رأسها حتى تجمدت في مكانها. كان يوسف وأمنية يقفان أمام باب غرفة فاتن. لا يتحدثان.. لا يتحركان.. فقط ينتظران. عقدت داليدا حاجبيها واقتربت منهما بسرعة، بينما بدأت الحيرة والقلق يتسللان إلى ملامحها. "لماذا تقفان هكذا؟" تنهدت أمنية وقالت. "يجب أن نوقظ الآنسة خديجة لتأخذ أدويتها... لكننا لا نستطيع الدخول." ازدادت حيرة داليدا. "لماذا؟" أجاب يوسف بحدة واضحة. "السيد مازن بالداخل." رمشت داليدا عدة مرات. "مازن؟" ثم أضافت باستغراب. "جاء مبكرًا إلى هذا الحد؟" تبادلت أمنية ويوسف نظرة سريعة قبل أن تجيب. "في الواقع... لم يأتِ صباحًا." توقفت لثانية. "لقد بقي هنا طوال الليل." ساد الصمت. اتسعت عينا داليدا تدريجيًا. "طوال... الليل؟" هزت أمنية رأسها. أما داليدا فبدت وكأن عقلها توقف عن العمل. "مازن... وخديجة... في غرفة واحدة؟!" هزت رأسها بسرعة وكأنها تحاول استعادة وعيها. ثم قالت فورًا. "انتظرا هنا." اتجهت نحو الباب طرقت مرة.. ثم مرتين.. ولا رد.
تراجعت أمنية خطوة إلى الخلف. "تفضل بالدخول." ألقى مازن عليها نظرة جامدة خاطفة، ثم دخل الغرفة بخطوات هادئة وثابتة، لكن هيبته وحدها كانت كفيلة بجعل الأجواء أكثر ثقلاً. وقعت عيناه أولاً على يوسف. نظرة قصيرة...لكنها كانت كافية لتجعل التوتر يتسلل إلى الغرفة. ثم التفت نحو فاتن النائمة على السرير. ضيق عينيه قليلًا وهو يتأمل ملامحها الهادئة، كأنه يتفحص شيئًا لا يراه غيره. خرج صوته هادئًا دون أن يلتفت. "منذ متى وهي نائمة؟" اقتربت أمنية خطوة وقالت. "ليس كثيرًا... ذهبت لأحضر ماء، وعندما عدت كانت قد نامت." ارتفع حاجب مازن ببطء. "وهل ينام الإنسان بهذه السرعة؟" ترددت أمنية قليلًا قبل أن تجيب. "لا أعلم... أنا أيضًا شعرت بالحيرة، فأنا لم أتأخر." تدخل يوسف فورًا. "جسدها منهك من إصابتها والتمارين وغيرها... لهذا تغط في نوم عميق بسرعة." التفت مازن إليه.خرج صوته باردًا...لكن خلف ذلك البرود كان يوجد شيء آخر، شيء أشبه بالشك. "حقًا؟" تلاقت نظراتهما للحظة طويلة ومزعجة. نظر يوسف إليه بثبات ولم يجب. أما مازن فظل يراقبه لثوانٍ إضافية قبل أن يقول بهدوء. "يمكنكم المغادرة... سأبقى معها."
هزت رأسها بيأس. "أنا حقًا لا أفهم شيئًا." ظل مازن صامتًا للحظة، ثم قال بنبرة هادئة خالية من أي مشاعر. "سأتحدث مع والدك." توقف قليلًا قبل أن يكمل. "يمكنكِ المغادرة الآن." انقبضت أصابع شهد بقوة حتى ابيضّت مفاصلها. كانت تحاول كبح غضبها، وكبرياءها المجروح. وذلك الشعور المؤلم الذي بدأ يزداد داخلها منذ مكالمة فاتن. لكنها أجبرت نفسها على التنفس بهدوء. "حسنًا." قالتها بصعوبة ثم حاولت التشبث بأي فرصة أخيرة، أي شيء يعيد الأمور إلى ما كانت عليه. فابتسمت ابتسامة باهتة وسألته. "ما رأيك أن ننهي العمل ونذهب لتناول العشاء؟" رفعت عينيها إليه بانتظار الرد لكن الرد جاء باردًا كالمعتاد. "لدي موعد." للحظة...اهتزت ملامحها لكنها سرعان ما أخفت ذلك خلف ابتسامة متعبة. "حسنًا..." ثم قالت بسرعة. "فلنجعلها غدًا إذًا." "لم نخرج معًا منذ مدة." أجابها دون أن يرفع رأسه عن الأوراق أمامه. "سنرى غدًا." كانت إجابة مبهمة لا قبول.. ولا رفض، ومع ذلك تمسكت بها. "حسنًا." استدارت بهدوء فتحت الباب ثم خرجت وأغلقته خلفها برفق. لكن ما إن أصبحت وحدها في الممر... اختفت تلك ا
أغلقت الهاتف ببطء، ثم وضعته جانبها وهي تضحك بخفة قصيرة. ضحكة لم تكن فرحًا كاملًا…ولا راحة كاملة أيضًا. ثم أسندت ظهرها بهدوء، ورفعت رأسها نحو السماء. كانت النجوم متناثرة فوقها كأنها نقاط ضوء بعيدة لا تنتمي لهذا العالم. والقمر يعلو بثبات، هادئًا بشكل يثير التفكير أكثر مما يبعث الطمأنينة. تنفست بعمق، ثم زفرت ببطء، وعيناها لا تزالان معلقتين في الأعلى. لكن شيئًا ما بدأ يتغير داخلها. عند لحظة صمت طويلة…وقعت عيناها علي القمر. تجمدت ملامحها قليلًا، وكأن شيئًا في داخلها انفتح فجأة. بدأت الذكريات تتدفق دون توقف… ضوء بارد في قبو مظلم.. صدى خطوات متقطعة.. إحساس الاختناق داخل حمام السباحة. ثم فجأة…ذلك السقف الأبيض في المستشفى، وتلك اللحظة التي فتحت فيها عينيها أمام مازن. تسارعت أنفاسها قليلًا دون أن تشعر. لكن الغريب…أن الحزن الذي كان يثقل صدرها قبل لحظات بدأ يتلاشى واختفى تدريجيًا. وبدلًا منه ارتسمت على شفتيها ابتسامة مختلفة. ابتسامة خفيفة…لكنها خبيثة بشكل واضح. اعتدلت في جلستها ببطء. ورفعت يدها تمشط شعرها للخلف وكأنها تعيد ترتيب أفكارها قبل أن تبدأ شيئًا جديدًا.
انتهت فاتن من الاستحمام أخيرًا، وشعرت ببعض الراحة بعد يومٍ طويل من الإرهاق والتفكير. رفعت صوتها قليلًا. "داليدا." لم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح الباب ودخلت داليدا مبتسمة. اقتربت منها وساعدتها على الخروج من حوض الاستحمام بحذر، ثم ألبستها رداء الحمام الأبيض الناعم قبل أن تسحب الكرسي المتحرك نحو غرفة الملابس. ما إن دخلتا حتى توقفت داليدا أمام الخزانة الضخمة. "حسنًا... ماذا تريدين أن ترتدي؟" رفعت فاتن يدها وأشارت نحو فستان معلق في أحد الأركان. كان يصل إلى الركبة، مطرزًا من منطقة الصدر بخيوط ناعمة، وأكمامه قصيرة تمنحه مظهرًا أنيقًا وبسيطًا في الوقت نفسه. "أريد هذا." ابتسمت داليدا وأخرجته فورًا. وبعد دقائق كانت تساعدها على ارتدائه، ثم وقفت خلفها تمشط شعرها برفق وتعيد خصلاته إلى الخلف. رفعت فاتن رأسها نحو المرآة تأملت انعكاسها بصمت. ثوانٍ مرت...ثم تنهدت. لاحظت داليدا ذلك فورًا. "ما الأمر؟" أخفضت فاتن عينيها نحو الكرسي. "لا يبدو جيدًا وأنا جالسة هكذا." ساد الصمت لحظة ثم فجأة لمع الحماس في عينيها. "ساعديني على الوقوف." ضحكت داليدا. "لن تستسلمي أبدًا، أليس كذلك؟" اقتربت منها