ANMELDENبعض المستشفيات تشبه مدنًا صغيرة، طوابقها، ممراتها، غرفها، وحكايات أشخاص يعيشون داخلها أسابيع أو أشهر حتى تصبح تفاصيل المكان جزءًا من حياتهم اليومية، لكن المستشفى الخاص الذي نُقل إليه فؤاد الحمدي لم يكن يشبه المستشفيات العادية. لم تكن رائحة المعقمات النفاذة تستقبل الزائر عند الباب، ولا الأضواء الفلورية الباردة التي تجعل الوجوه شاحبة تحتها. كان المكان أقرب إلى فندق فاخر؛ ممرات واسعة، أرضيات لامعة، إضاءة دافئة هادئة، وأثاث اختير بعناية ليمنح المرضى قدرًا من الخصوصية والراحة، ومع ذلك، كانت الأجهزة الطبية المنتشرة في بعض الزوايا تذكّر الجميع بالحقيقة. هذا المكان، مهما بدا فاخرًا. كان لا يزال مستشفى، كان الطابق الذي يقيم فيه فؤاد محجوزًا بالكامل لعائلة الحمدي، وعند المداخل، وقفت حراسة مدروسة بعناية؛ رجال لا يلفتون الأنظار، لكن وجودهم لم يكن يخفى على عين تعرف كيف تبحث عن التفاصيل، وإياد كان تلك العين. سار في الممر بخطوات ثابتة، بدلته السوداء الأنيقة لم تفقد شيئًا من ترتيبها رغم ساعات اليوم الطويلة، وشعره الأسود بقي مرتبًا كما اعتاد أن يكون. لكن عينيه كانتا أكثر يقظة من المعتاد. تتحركا
لم يكن إياد قد وصل إلى سيارته بعد, كان لا يزال يسير في الممر المؤدي إلى مخرج المستشفى حين اهتز هاتفه داخل جيبه, أخرج الهاتف دون أن يبطئ خطواته نظر إلى الشاشة فتوقفت عيناه عند الاسم أمل الحمدي, أمه. لم تكن أمل من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الاتصال مرارًا حتى تجذب انتباهه, مكالمة واحدة منها كانت كافية ضغط زر الإجابة.— أمي. جاء صوتها من الطرف الآخر سريعًا، وكأنها كانت تنتظر أن يجيب منذ لحظة اتصالها.— إياد. كانت نبرتها مختلفة لم تكن نبرة امرأة تتصل بابنها لتسأله أين هو أو إن كان تناول طعامه كان فيها قلق واضح حاولت إخفاءه ولم تنجح.— ماذا هناك؟ سألها مباشرة.صمتت لثانية ثم قالت:— أين أنت الآن؟ — في المستشفى.عرفت الإجابة مسبقًا.— عند نور؟ — نعم.تنفست ببطء ثم قالت:— إذن... سمعت أنها استيقظت. توقفت خطوات إياد نظر أمامه إلى الممر الطويل الخالي.— من أخبرك؟ ابتسمت أمل ابتسامة خفيفة من الطرف الآخر.— أنا أمك، إياد. لم يرد, فأكملت:— الأخبار التي تخصك تصلني، سواء أردت ذلك أم لا. ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة لم تدم طويلًا, كانت أمل تعرفه جيدًا أكثر مما يحب أن يعترف به. ثم تغير صوتها.— لكنني لم
بينما كانت نور تستريح داخل غرفتها، كان العالم خارجها مستمرًا كأن شيئًا لم يحدث نيوفيرا لم تتوقف، الشوارع ما زالت مضاءة، السيارات تعبر طرقها، والمباني تخفي خلف نوافذها أسرارًا لا يعرفها أحد. المدينة التي اعتادت أن تستمر مهما حدث، لم تعرف أن شيئًا تغير داخل أحد مستشفياتها تلك الليلة، شيء انتظره أشخاص كثيرون لأشهر. في الممر الطويل أمام غرفة نور، كانت سارة تقف قرب الجدار، عيناها محمرتان من البكاء، وأنفاسها لم تستعد انتظامها بعد، وصلها الخبر قبل دقائق. نور فتحت عينيها كانت جملة قصيرة. لكنها بدت أكبر من قدرتها على الاستيعاب رفعت يدها ومسحت دمعة نزلت دون أن تشعر بها، ثم نظرت نحو باب الغرفة المغلق لم تكن تريد أن تبكي ليس الآن ليس بعد كل ما مروا به. لكنها لم تستطع منع نفسها وصل رامز بعد دقائق، كان التعب واضحًا في وجهه الأشهر الماضية تركت أثرها عليه أيضًا؛ في عينيه، في صوته، وحتى في الطريقة التي يمشي بها. لكنه عندما رأى سارة، عرف أنها سمعت الخبر اقترب وجلس على المقعد الضيق إلى جوارها لم يسألها ولم يحتج إلى ذلك. جلس فقط، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، وبقي ينظر إلى الأرض مرت لحظات قبل أن يقول:—
بعض اللحظات لا تحتاج إلى كلام، وبعضها يكون أكبر من أن تختصره الكلمات كانت هذه واحدة منها. الغرفة بقيت كما هي؛ الأضواء البيضاء الباردة، أصوات الأجهزة المنتظمة، ورائحة المعقمات التي التصقت بالمكان حتى أصبحت جزءًا من هوائه، لكن شيئًا تغيّر ليس في الأجهزة. ولا في الأرقام التي ظهرت على شاشاتها، بل في ذلك الشعور الذي تركته عينا نور المفتوحتان داخل الغرفة لأول مرة منذ أشهر، لم تعد الغرفة مكانًا ينتظر فيه الجميع حدوث شيء لقد حدث بالفعل. اقترب الطبيب المسؤول من الأجهزة، راقب المؤشرات، ثم انتقل ببصره بين شاشة وأخرى، كان يتابع نبضها وتنفسها واستجابتها، بينما أعطى الممرضون التعليمات اللازمة بهدوء. لم يكن في الأمر ما يدعو إلى الاحتفال بعد، الاستيقاظ وحده لم يكن يعني أن نور استعادت وعيها كاملًا، ولا أن جسدها أصبح مستعدًا للعودة إلى حالته الطبيعية. لكن استجابتها كانت واضحة، وعندما فتحت عينيها، لم تبحث عن الضوء، لم تتبع حركة الطبيب، ولم تتوقف عيناها عند الأجهزة، بحثت عن شخص واحد. ووجدته أما إياد، فكان لا يزال جالسًا إلى جوار السرير يد نور بين يديه. وعيناه تراقبان وجهها بدقة، وكأنه يخشى أن يفوت
لم تعد الغرفة تشبه نفسها رغم أن كل شيء فيها بقي كما هو، الأضواء البيضاء الباردة التي لا ترحم، أصوات الأجهزة التي أصبحت جزءًا من إيقاع هذا المكان منذ أشهر طويلة. ورائحة المعقمات الثقيلة التي التصقت بالهواء حتى غدت مألوفة لكل من يدخل الغرفة كل شيء كان في مكانه، لكن شيئًا واحدًا تغيّر شيء لا تستطيع الأجهزة قياسه، ولا تستطيع التقارير الطبية وصفه. الغرفة لم تعد باردة كما كانت كان الأطباء يتحركون حول نور بسرعة محسوبة أوامر قصيرة تُقال بصوت منخفض أجهزة تُضبط بدقة، وممرضون يتبادلون نظرات سريعة يفهمها أهل المهنة دون الحاجة إلى شرح. أما إياد فكان يقف خلفهم جميعًا، ثابتًا، صامتًا وعيناه لا تغادران وجهها، منذ أشهر طويلة وهو يجلس في هذا المكان منذ أشهر وهو يتحدث إليها دون أن يسمع ردًا منذ أشهر وهو يمسك يدها الباردة ويقنع نفسه بأنها تسمعه، حتى عندما لم يكن يملك دليلًا واحدًا على ذلك. كل يوم كان يغادر الغرفة، وكان شيء داخله يتكسر بصمت، لكن الليلة، كانت عيناها مفتوحتين، اقترب منها ببطء خطوة واحدة ثم توقف، لم يكن يعرف لماذا توقف، هو الذي اعتاد اتخاذ قراراته دون تردد، وجد نفسه عاجزًا عن معرفة الخطو
لم تتغير الغرفة، الأضواء البيضاء الباردة ما تزال معلقة فوق السقف، أصوات الأجهزة الطبية ما تزال تتردد في المكان بالنمط نفسه، حتى رائحة المعقمات بقيت كما هي، الرائحة التي أصبحت جزءًا من هواء الغرفة بعد أشهر طويلة. كل شيء كان في مكانه ومع ذلك، كان هناك شيء مختلف. شيء صغير لا يمكن قياسه بجهاز، ولا يمكن تدوينه في تقرير طبي، الغرفة لم تعد باردة كما كانت، دخل الطبيب بسرعة، يتبعه عدد من الممرضين، ارتفعت الأصوات في المكان أوامر قصيرة. أرقام تُذكر بسرعة ملاحظات تُدوّن على الأوراق حركة متواصلة حول السرير، تراجع إياد خطوة إلى الخلف، خطوة واحدة فقط لم يستطع الابتعاد أكثر، بقي واقفًا خلف الطاقم الطبي، وعيناه تنتقلان بين الوجوه المتوترة والأجهزة التي بدأت تسجل تغيرات جديدة، قبل أن تعودا إليها. وجه نور كل ما حوله تحول إلى ضوضاء بعيدة الأصوات، الخطوات الأوامر. حتى صوت الأجهزة لم يعد يعني له شيئًا لم يبقَ واضحًا أمامه سوى هي. — مؤشرات النبض ترتفع. قالها أحد الأطباء بسرعة ثم جاء صوت آخر:— الاستجابة العصبية تتحسن. — جهزوا الفحوصات الإضافية. تحرك الممرضون حول السرير بدأت الأجهزة تصدر تنبيهات متتا
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
لم تكن جوليا من النوع الذي يترك الأمور للصدفة. منذ اللحظة التي رأت فيها نور تضع الرسالة، وهي تعرف أن هناك شيئًا مخفيًا… شيئًا لا تراه العيون بسهولة لكنه حاضر بقوة. ولهذا— بدأت جوليا تراقب وتبحث، تحلل كل حركة، كل ابتسامة، وكل نظرة. في صباح اليوم التالي، وقفت قرب بوابة المدرسة، تتأمل الطلاب وهم
في بعض الأحيان، لا تحتاج إلى ضربة لتسقط… كلمة واحدة تكفي. منذ أيام، شعرت نور بأن شيئًا يتغير حولها. لم يكن فقط تصرفات الآخرين، بل نظراتهم الثقيلة المليئة بالحكم والهمس. كل حركة، كل همسة، كانت كأنها سهم يصيب قلبها الصغير. لم تعرف سبب هذا التغيير، لكنها شعرت بثقل في صدرها، وكأن العالم أصبح أصغر
![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






