Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (30) : استجواب في الدهاليز المظلمة

Share

الفصل (30) : استجواب في الدهاليز المظلمة

last update publish date: 2026-08-23 08:53:20

هبطت درجات السلم الحجري الملتوي إلى عمق الجرف الصخري الذي شُيد فوقه القصر، حيث تلاشت دفء مدافئ الصالونات لتحل محلها برودة رطبة تفوح برائحة الملح والحديد الصدئ. في هذه الزنزانة المحصنة التي يعود تاريخها إلى حصون العصور الوسطى، كانت قطرات الماء المتسربة من شقوق الصخور تسقط برتابة فوق الأرضية الخرسانية الباردة، محدثة صدى متقطعاً يكسر الصمت الموحش. وسط الغرفة، وتحت الضوء الأصفر الحاد لمصباح عارٍ يتدلى من سقف مقبب، جلس رجل مقيد بسلاسل فولاذية إلى كرسي مثبت في الأرض، وتغطي وجهه كدمات دامية بينما تقطر أنفاسه اللاهثة عرقاً وذعراً.

كان الرجل هو "ماركوس"، ضابط الإمداد واللوجستيات الذي ورثته إلينا من حرس عائلتها القديم واعتبرته لسنوات أحد أكثر رجالها إخلاصاً.

انفتح الباب الحديدي الثقيل بصرير تقشعر له الأبدان، ليدلف طارق أولاً بخطوات ثقيلة يتردد صداها كحكم بالإعدام، يليه عمران ممسكاً بحقيبة أدوات جلدية، بينما توقفت إلينا عند عتبة الباب، تلقي بظلها الممشوق فوق الجدران المبتلة. كانت ترتدي معطفاً جلدياً أسود مشدوداً عند الخصر، ويداها في جيوبها، بينما لمعت عيناها الزمرديتان ببرود قاطع يشبه شفرات الجليد؛ نظرة خالية من أي شفقة لشخص تجرأ على خيانة ثقتها.

رفع ماركوس رأسه المنهك بصعوبة، وحاول أن يستجمع بقايا صوته المرتجف وهو يحدق في عيني إلينا: "آنسة إلينا... أقسم لكِ أنني لم أكن أريد إيذاءكِ... لقد هددوني بعائلتي... 'حراس الدم' لا يرحمون أحداً!"

تقدم طارق حتى وقف أمامه مباشرة، ملقياً بكتفيه العريضين وهيبته الطاغية كجدار يمنع عنه حتى ذرات الهواء. وضع طارق يده القوية فوق عنق ماركوس، وضغط بأصابعه الفولاذية ببطء قاسٍ جعل عروق وجه الرجل تنتفخ وتجحظ عيناه برعب هيستيري: "أنت لا تتحدث هنا عن رغباتك يا ماركوس... بل ستخبرنا كيف وصلت شفرات الختم العائلي ومسارات طائراتنا إلى تلك العصابة في غضون عشر ثوانٍ، قبل أن أجعل عظام قفصك الصدري تخترق رئتيك."

أرخى طارق قبضته قليلاً ليسمح له بالتنفس، فسعل ماركوس دماً وبصق على الأرضية، ناظراً نحو إلينا بصوت مبحوح يحمل مزيجاً من الحقد واليأس: "تظنين أنكِ الوريثة الوحيدة لآل فالدير يا إلينا؟ عائلتكِ لم تنتهِ بموت والدكِ... الكونت 'جوليان فالدير'، ابن عمكِ الذي أعلنتم وفاته في حريق الأسطول قبل سبع سنوات، ما زال حياً! هو من يقود 'حراس الدم' من معاقلهم السرية في جبال البرانس... يعتبركِ خائنة لدماء الأسرة لأنكِ وضعتِ إمبراطوريتهم في يد طارق، وقد أقسم أن يستعيد كل شبر من موانئ الجنوب ولو أحرق القارة بأكملها."

ساد سكون مشحون بالصدمة داخل الدهليز المظلم. شحب وجه إلينا لبرهة خاطفة وتراجعت أنفاسها وهي تستحضر ذكرى جوليان؛ ذلك العقل الإجرامي المتوحش الذي نشأ معها في قصور الشمال قبل أن يختفي في ظروف غامضة، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها وتقدمت بخطوات واثقة حتى التصقت كتفها بكتف طارق.

استلت إلينا خنجرها الفولاذي الدقيق من حزامها، ووضعت نصله البارد على شريان عنق ماركوس المرتجف، هامسة بصوت رخيم يقطر سماً وحسماً: "جوليان كان دائماً جرذاً يختبئ في الظلال وينتظر أن يحصد ما يزرعه الآخرون... أين نقطة الإنزال التي حددتموها لهجوم الليلة؟"

ابتلع ماركوس ريقه بصعوبة وقال بصوت متهدج: "الخليج السري أسفل المنحدر الغربي... زوارق 'حراس الدم' ستبدأ التسلل عبر الكهوف البحرية عند منتصف الليل، ومعهم فرقة اقتحام مزودة بمتفجرات مخصصة لنسف أساسات هذا القصر."

ألقى طارق نظرة سريعة نحو عمران، الذي أومأ برأسه وتراجع فوراً ليوجه فرق الحراسة والمدافع التكتيكية نحو الكهوف الساحلية.

التفت طارق نحو ماركوس، ثم أعاد بصره إلى إلينا، ممرراً يده برفق حازم فوق يدها الممسكة بنصل الخنجر: "الخونة لا يُتركون كشهود في معارك الدم يا إلينا."

أغمضت إلينا عينيها لثانية واحدة متخلصة من آخر خيوط الشفقة تجاه ماضي عائلتها، ثم مررت نصلها بحركة خاطفة ودقيقة قطعت بها شريان الخائن، ليسقط رأسه بلا حراك فوق السلاسل الفولاذية، معلناً إغلاق أولى صفحات المؤامرة الداخلية.

مسحت إلينا خنجرها بقطعة قماش ورمتها جانباً، ثم استدارت لتجد طارق يحاصرها بنظراته الصقرية الدافئة. مد طارق ذراعيه وجذبها إلى صدره العريض بقوة أزالت كل ارتجاف كامن في جسدها، هامساً بصوت عميق ومزلزل ملأ عتمة الزنزانة: "ابن عمكِ اختار أن يخرج من قبره في الوقت الخطأ يا إلينا... والليلة سنعيده إلى الجحيم بأيدينا."

رفعت إلينا وجهها نحوه، وتلاقت أعينهما في شعلة متقدة من الرغبة والسطوة التي لا تقهر، وقالت بنبرة نارية تتوعد بالانتقام: "دع زوارقهم تدخل الكهوف البحرية... سنحول مياه هذا الخليج إلى مقبرة تحترق بنيران رماد السطوة."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status