登入يجلس بالمطار منتظرا لحظة العودة ... قرار إتخذه من سنوات .. وتحمل عواقبه ... ذكريات سعيدة ... رغم ما يشوبها ... ولكنه يحاول نسيانها ... ومن منا لم يشوب ماضيه بعض العكار ... رغم ذلك نكمل طريقنا غير عابئين ..
لحظات فارقة وهو يتأمل ما حوله وهو الى الآن غير مستوعب ما يحدث ... هل حقا سيعود؟!
يقف أندريس بجواره يشعر بمدى توتره فأراد ان يمازحه قليلا مخففا من حدة توتره ... ضربه على كتفه وقال
:- لما هذا القلق يا صاح .. إنها مثل وخز الإبرة فلا تقلق ...
نظر له عمر بإستخفاف
:- تعلم أن ما يفرحنى فى الأمر أنى سأستريح من سخافاتك تلك؟
قهقه أندريس وهو يقول مراوغا
:- هذا فى أحلامك يا صديقى ... فأنت تعلم أن ليس لى أصدقاء غيرك
وعليك تحمل أنت العواقب ..
ابتسم عمر لصديقه بحب وأكمل مشاكسا
:- كان هذا من سوء حظى ...
تابع أندريس نظرات عمر التى توقفت فى مكان معين يتطلع أمامه بإستغراب ... رآها تتخفى خلف أحد العمدان وتنظر له بدموع..فقال بألم ...
:- نعم حظك العسر هو من أوقعك فى وغد مثلى ... وفى غبية مثلها
جاءت الى هنا سرا حتى لا نراها ..
اعاد عمر نظره الى أندريس مواسيا له فقد إستشعر حجم المعاناة التى يعانيها صديقه
:- يوما ما ستكتشف حقيقة مشاعرها ... ستكتشف أنها حقا غبية ... لأنها كانت واهمة ... تركت الحقيقة من أجل الأوهام فقط..
عليك مساعدتها فى ذلك
ثم قال مشاكسا
:- سيخلو لك الجو بعد سفرى فإستغل فرصك جيدا يا وغد
إبتسم أندريس رغم الألم الذى يعترى صدره وقال
لا تقلق يا صديقى.. سنترك للأيام هذه المهمة.. المهم الآن أنت أعتنى بنفسك جيدا و..
قاطعه الصوت الذى أعلن عن إقتراب موعد إقلاع الطائرة..فودع الصديقين بعضيهما بحب وعشرة سنين وحان الآن موعد
الفراق ...
جالس الآن بالطائرة تجتاحه عاصفة من الحنين..
إعصار من ذكريات الطفولة..والكثير الكثير من الإشتياق..
الإشتياق لعينيها السوداوين..إبتسامتها الراقية..شعرها الغجرى المسترسل على كتفيها..عشق طفولته ومراهقته وشبابه وشيبه والى الأبد محفورة بالقلب..
سأعود..إلى أرض عشقك من جديد
سأعود..بعد إشتياق أذاب الحديد
سيعود الدفء إلى قلبى بعد أن صار كالجليد
سأعود...لكحلة عيناكى بعد أن كنت عنها طريد
سأعود إليكِ يا وطنى ولن أكون بعد اليوم بعيد
*******
بالأسكندرية....
سيقطع مسافة كبيرة كي يصل إلى بيتها عازما على أن تكون زوجته مهما كان الثمن ... سيتنازل كثيرا ليس من أجل شئ سواها... حب تُوج بصراعات عائلية ... وتحديات أشبه بالنهائيات للوصول الى كأس العالم للنفوذ والسلطة ... حب نبت بين شرور الأرواح المجاورة فهل ستظل نبتتها صالحة ... أم سيصيبها المس من شرٍ بات حتمياً..
وصل "حازم" إلى حى راقى من أحياء الاسكندرية نظر إلى العمارة جيدا ليتأكد أنها هى ... عمارة فارهة رغم آثار الماضى المحفورة على جدرانها ... عريقة كعشقه ... أصالتها كنفسه الواقعة بين براثين حبها ... بات مهووسا حتى بالمكان التى تسكن به ..
صف سيارته ثم إتجه إلى وجهته ... دق جرس الباب ذهبت سعاد لتفتح فهي على علم بمجيئه رحبت به وأدخلته إلى الصالون ....
و إستأذنت ثم عادت بعد أن أحضرت كوبا من العصير مقدمة إياه لخطيب ابنتها التى طالما كانت تعتبره كولدها و لكن دائما تعكر الخلافات صفونا
. قطع الصمت قائلا
:- أكيد حضرتك عارفة أنا جاى ليه؟
ردت سعاد بهدوء
:- عارفة يا حازم .. زى ما انت عارف موقفى بالظبط من الجوازة دى
تحدث حازم وبدأ القلق يشوبه
بس حضرتك كنتى موافقة .. أنا فاكر يوم خطوبتنا حضرتك كنتى فرحانة إزاى ..
:- الكلام دة قبل المشاكل اللى حصلت بعد موت عمك .. إنت عارف أبوك وأخوك وأمك .. زيزي هانم عملت فينا ايه ..
إقترب منها بتودد وقال
:-وأنا مالى يا سوسو بالكلام دة .. مش دايما تقوليلى إنى إبنك اللى مخلفتهوش .. راح فين الكلام الحلو دة .. ولا هو كان كلام وخلاص؟!
نظرت له سعاد بحب..فهو محق كانت دوما تكن له مشاعر أمومية خاصة .. لم يرزقها الله الذكور .. فأعتبرته ولدها التى لم تنجبه .. وهو أيضا كان يعاملها بخصوصية كانت منبع أسراره ومأمنها..لكن دوما ما تفرض علينا فروضها .. فنفترق ..
عبثت بشعره كما كانت تفعل دوما ليبادلها إبتسامتها وقالت
:- مش كلام يا حازم وإنت عارف دة كويس .. أنا اللى مربياك .. لتكون فاكر زيزى هانم بتعرف تربى .. كانت فلحت فى تربية الكبير .. بلاش خيبة..
فقهقه على حديثها التى كانت دوما تقوله بالماضى..
ليقول مستعطفا إياها..
:- طب وبعدين يا سوسو مش هترأفى بحالى المسكين وتجوزينى بنتك بقى؟
عاد القلق يراودها من جديد
:- هجوزهالك بس بشرط..
قال متسرعا
:- تحت أمرك فى أى حاجة بس جوزهالى والنبى
أجابته بجمود
:- بنتى مش هتتجوز فى قصر علام..
تطلع لها بإستغراب ولبرهة شعر ببلاهته .. لا يعلم ماذا تقصد .. سؤال لاح على عقله .. إذن اين ستسكن؟!
قاطعت تفكيره لتردف بحزم لا جدال فيه..
:- تجيبلها شقة بعيد عن أهلك..
بدأ القلق يشوبه من جديد بعد أن بدأ الاطمئنان يتسلل الى قلبه فقال بتوتر
:- بس حضرتك عارفة إن بابا وماما مش هيوافقوا إنى أعيش بعيد عنهم .. وبعدين دول إتغيروا جدا صدقينى مبقوش زى الأول .. دول فرحوا جدا لما عرفوا إنى جاى أحدد ميعاد الفرح..
إبتسمت سعاد بإستهزاء
:- لو كانوا إتغيروا فعلا زى ما بتقول .. كانوا هييجوا معاك يحددو ميعاد فرح إبنهم زى أى إتنين فرحانين إن إبنهم هيتجوز..
أخفض رأسه بأسف .. يعلم أنها محقة..فاردفت بحزم ..
:- أنا اللى عندى قولته يا حازم .. انا هتنازل وأوافق على الجوازة دى رغم كل اللى حصل ومازال بيحصل من أخوك .. إنت كمان تتصرف وتوافق على شرطى..
حاول التفكير بطريقة تجعلها تتنحى عما برأسها فلا يجد أمامه سواها .. ولكن هل كانت تعلم عهد بما تنويه أمها .. وإذا كانت تعلم لما لم تخبره حتى يعد عدته مسبقا .. فقال
:- هى عهد عارفة الموضوع دة؟
ردت بنبرة حادة غاضبة
:- إيه يا حازم .. أنا اللى بتكلم هنا .. ولا إنت فاكر علشان وافقت إن الجوازة دى تكمل تفكر إن عهد ممشيانى على مزاجها .. شكلك نسيت سعاد .. دة أنا أجيبها تحت رجلى وأكسرلها رقبتها كمان
بس أنا اللى مبحبش أستخدم الاسلوب دة مع بناتى .. هى قررت وأنا إحترمت دة .. بس من حقى أنفذ بطريقة تخلينى على الاقل مطمنة إنها بعيد عن أهلك ..
هدأت قليلا وأخذت نفسا عميقا ثم قالت بهدوء
إسمعنى يا حازم .. أنا مش جاية عليك لا سمح الله ولا بطلب منك حاجة فوق مقدرتك .. بالعكس أنا كل اللى طلبته شقة بعيدة عن قصر علام .. من حقى أبقى مطمنة وهى بعيد عنى .. ومن حقى كمان أشوف إنت هتقدر تعمل إيه علشانها ..
زفر حازم بحزن فهو على علم بأن هذا الأمر مستحيل ولكن عليهم التحدث مع والديه مهما إقتضى الأمر
حاضر يا مرات عمى .. هعمل كل اللى إنتى عايزاه .. بس إوعدينى إنى لو عملتلك اللى إنتى عايزاه يكون الفرح آخر الشهر دة ..
أومأت له برأسها
:- وأنا موافقة
دخلت نور وألقت عليهم السلام وجلست بجوار أمها .. حاولت السيطرة على إنفعالاتها فهى لم تعد تشعر بالأمان بوجود أحد منهم
:- إتفقتوا خلاص؟
أومأ لها برأسه وقال
:- إن شاء الله الفرح هيكون آخر الشهر ..
:- على خيرة الله .. بس عايزة أقولك كلمتين يا حازم تسمعهم كويس .. عهد أمانة فى رقبتك .. إنت اللى مسئول عنها قدامى .. يعنى لو يوم بس عرفت إنها زعلت متلومش غير نفسك ..
شعر بالضيق من نبرتها الحادة فحاول التجاهل .. قال متصنعا المرح
:- عهد دى فى قلبى وعنيا .. ولا إنتى لسة هتعرفى دة دلوقتى؟!
ابتسمت له بخفوت .. تشعر بالقلق من المجهول .. لكنها تحاول أن تطمئن نفسها لا من اجل شئ سوى .. سعادة أختها.
********
فى قاعة الإجتماعات بشركة رضوان:
اجتمع رؤساء اقسام الفرع الجديد وعلي رأسهم الحاج رضوان وولده محمود و أحفاده خالد و حسن وتم مناقشة جميع الأمور الخاصة بالفرع .
بعد قرابة ساعة من الزمن انتهى الإجتماع و انصرف الجميع ، جلست العائلة تتحدث مع الجد بخصوص حفل الإفتتاح للفرع الجديد بالقاهرة..قاطعهم طرق علي الباب أمر الجد من بالخارج بالدخول ليدخل بهيبة طاغية وأناقة راقية..يشبه خالد بحد كبير سوى من عينيه الزيتونيه الدافئة .. "عمر مراد" حفيد الحاج رضوان
فأمه ناهد رضوان .. الابنة الوحيدة للحاج رضوان والتى ماتت بحادث مع زوجها مراد وأخيها حسين والد خالد..
تفاجأ الجميع .. رغم أن من أمره بالعودة هو جده بنفسه..لكنه لم يتخيل انه سيلبى طلبه بهذه السرعة .. أما خالد ابتسم بسمة واثقة .. فالان تأكدت ظنونه فقد كان على يقين أن جده لن يأمن لأحد خارج العائلة بإدارة الفرع .. وقف الجميع وسلموا عليه بحب..
ثم إتجه الى الجد واقترب منه ببطء يتطلع بخطوط الحزن التى رسمت تجاعيد بوجهه .. دموع ترقرقت بعيناه .. مال قليلا ليلثم يد جده بشوق طويل .. ثم ارتمى بأحضانه .. فالتقفه الحاج رضوان بدموع لم تجف منذ رحيل الأَحبة ولكن دوما ما نجبر أنفسنا على الصمود..
جلس عمر بجوارهم ليطلعه حسن على ملفات الفرع الجديد الذى سيفتتح خلال يومين..نظر محمود لوالده وقال
:- كنت سيب عمر إنهاردة يا بابا..حتى يرتاح من السفر..
نظر عمر الى عمه بحب وأكمل
:- متقلقش يا عمى انا مش تعبان وبعدين أنا واخد على الشغل..متقلقش عليا.
تطلع الجد لهم بفخر فقال لولده
:- يلا بينا إحنا يا محمود وهما هيخلصوا ويحصلونا على البيت
أومأ محمود لوالده وانصرفا.. تاركين خلفهم رفقاء حكم عليهم الزمن أن يذهب أحدهم لوجهة ليست بوجهته.. وفراق كان مقدرا لهم..
*******
فى أحد النوادى المشهورة بالأسكندرية
قرر الرفقاء الثلاثة إستعادة ولو جزء من أيامهم السابقة معا
فإتفقوا على الذهاب الى النادى الذى إعتادو اللجوء إليه دوما فى الماضى
فجلسوا يتحدثون ويتذكرون فترة طفولتهم
قال عمر بمرح :-فاكر يا ابو علي الواد خالد دة كان تقيل ازاي.. البت تبقي هتموت وتكلمه وهو ولا هو هنا
اجابه حسن بتأكيد :- و لسة زي ما هو وحياتك ... وبعدين دة علي أساس إنك كنت بتعبر حد ما أنت نسخة منه .. سبحان الله فولة واتقسمت نصين
. ثم اردف بثقة
:- مش عارف مش طالعين زيي ليه فرفوش و دمي خفيف والبنات كلها هتموت عليا
إنفجر خالد وعمر على طريقة حسن
ثم أردف حسن بمرح
:- طب ما تحكيلنا يا عمر ... أخبار المكسيك معاك ايه .. وبنات المكسيك .. وجمال المكسيك .. وحلويات المكسيك .. قوللى بذمتك محبتش واحدة من هناك ؟
توتر صوت عمر قليلا .. لكنه حاول التحكم أخيرا وتحدث بطريقته المشاكسة المعتادة
:- كتيييير ... يابنى مفيش بنت فى المكسيك موقعتش فى غرام العبد لله
تمتم خالد بخفوت وهو يتطلع أمامه كأنه يحدث نفسه
:- المهم العبد لله وقع فى غرام ميــن يا ترى!؟
نظر له عمر بتوتر ليقابل نظرات خالد الهادئة كأنه لا يعلم شيئا
فأردف حسن ممازحا :-
طب فين طيب .. دة أنا قولت أول ما هتنزل هتيجي تترجاني علشان أجي معاك وأخطبلك واحدة من هناك .. ويكون ليها اخت قمر كدة علشان انا اخطبها..
نظر له بسخرية ثم قال وهو يشير علي خالد
:- طب والغلبان دة مفكرتش اكون جايبله واحدة في الشنطة يخطبها هو كمان
ابتسم خالد على مشاكستهم ..ثم قال وهو ينهض مستعدا للرحيل
: - لا يا خويا انت و هو محدش لي دعوة بيا انا مش عايز حلال عليكو إنتو بنات العالم كلهم .. و يلا بينا بقي علشان جدي مستنينا علي الغدا
قال عمر بتردد
:- بلاش انا يا خالد انا عايز اروح ارتاح شوية انا جيت من السفر عالشركة علي طول
رد خالد بحزم
:- مفيش اعذار انت عارف ان جدك مأكد عليا ولا انت عايزه يزعل منك..وبعدين ما وحشكش أكل دادة كاريمان ولا إيه؟
ليقول حسن
على رأيك دة تلاقى جده قالها إن عمر وصل وزمانها عاملاله وليمة فى البيت..
ابتسم عمر بهدوء وانطلقوا الى بيت العائلة..
********
في البيت الكبير :-
أوصي الحاج رضوان زوجة ابنه بتحضير جميع انواع الاكل الذي يفضله عمر .
كانت أميرة بالحديقة تهتم بزهورها كما تفعل دوما منذ صغرها فهي معهم تنسي كل شئ
احيانا نهرب من واقعنا .... من كل ما يؤذينا إلى أشياء بسيطة ننسى بها آلامنا التي سببوها لنا اقرب أناس لدينا
انتهت أخيرا من الاعتناء بصغيراتها من الورود ... فهمت بالدخول لكن استوقفها شعور غريب .... شعور يحثها على الانتظار ولو قليلا لكنها تجهل لماذا ... انتبهت لصوت سيارة .. شئ يجبرها ان تنظر للخلف فنظرت .... فوجدت خالد يصف سيارته أمام المنزل .. زادت دقة قلبها تنبهها بأنه قريب.. .. .. انتابتها الصدمة عندما رأته يدخل الى البيت مع خالد وحسن..
هل عاد مجددا ؟ أما كفاه عذابى فى البعد فيزيده بقرب ؟
لحظات لم تستوعب ما يحدث ... متى عاد ولما؟
فرت إلى الداخل هاربة مكذبة لعيناها إنتبهت لصوت جدها يناديها
:- أميرة تعالى حبيبتى بتجري كدة ليه ؟
تلعثمت أميرة لا تدرى بماذا تجيب :- أأ أصل
ضحك الجد عليها وقال
:- تعالى هنا جمبى ثم صاح مناديا لتحضير الغداء
دخل خالد ومعه حسن وعمر ملقيين السلام على الجميع
وقعت عينيه عليها .... فتبعثرت أشلاء قلبه من جديد..
كاذبون حين قالوا البعيد عن العين بعيد عن القلب .. فلم تكن بعيدة يوما ...
يراها الآن كما انه لم يفارق أبدا ....
انتفض قلبه لرؤية عينيها ... ترتدى فستانا يشبهها حتي حجابها الذي ارتدته مؤخرا ما زادها بعينه الا جمالا .. دق قلبه طبول الحرب على تمرده .. فتقافز فرحا لرؤياها .. أميرته وملكة فؤاده.. حب طفولته الذى نما بداخله دون أن يدرى .. يقف متجاهلا رغبة ملحة لجذبها بين أضلعه حاول التماسك والتحكم بنفسه ..
لم يشعر بقدماه التى قادته اليها ببطء وخطوات غير محسوبة.. كأنها تعرف طريقها..
حاول التحدث أمام كحلة عينيها التى تهلك أخر طرق الصبر لديه
:- إزيك يا أميرة مبروك الحجاب
اخفضت عينيها متجنبة النظر إليه يكفيها قلبها الذى يتراقص فرحا لرؤيته..
:- الله يبارك فيك ، حمدلله على السلامة
وآآه على سيمفونيات صوتها التى تطرب أذنيه .. وقلبه كمتسول يطلب المزيد من همسات صوتها العذب
رد مبتسما
:- الله يسلمك
دخلت حنان مرحبة به و قالت
:- يلا اتفضلو الغدا جاهز
تناولوا الغداء في جو أسري ملئ بالحب
بعد قليل من الوقت أنهو غداءهم وانصرفو الي الحديقة للجلوس معا كما كانوا يفعلون دوما
اخذ الجد ينظر لاحفاده وهم يتسامرون ويضحكون ابتسم بحزن ثم قال :- ياااااه ياولاد فكرتوني بأيام زمان .. أيام حسين ابنى و مراد ابن أخويا الله يرحمهم ضهري إتكسر بعدهم ... بس أهو ربنا كرمنى بأحفاد اشد بيهم ضهري ويكونوا سندى وعزوتي .. نفسي تفرحوني بقي وتتجوزوا و تشوفوا حياتكم .
اقبلوا الثلاثة علي جدهم وقبلوا يديه ورأسه و دعوا له بالعمر المديد .
عادوا لمجالسهم ثم قال الجد بجدية :-
ها يا شباب هتعملوا ايه بكرة ان شاء الله
رد خالد بتوضيح :- بعد اذنك يا جدي ، حسن هيسافر مع عمر الصبح علشان الترتيبات الاخيرة وانا هفضل هنا اخلص شوية شغل و اوصل حضرتك الحفلة
قال الجد موضحا
لأ خلى عمر معايا اشبع منه قبل ما يسافر القاهرة .... حسن يسافر الصبح وعمر هيجى معانا بالليل ..
تمم الجميع على ما قاله الحاج رضوان
فهز الجد رأسه بأريحية لما قيل قائلا:- يلا علي بركة الله.
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
ومن هنا تبدأ قصص الأبطال فى التجلى..
دخل عماد الى مكتب والده يعاتبه بغضب:- ازاى يا بابا توافق ان اخويا الصغير يتجوز قبلى؟نظر له رؤوف بضيق:- عايز ايه ياعمادجلس على الكرسى المقابل لوالده وقال:- عايز تعرف انا عايز ايه.. عايز اجيبها من شعرها واتجوزها حتى لو غصب عنها ...اعتدل رؤوف فى جلسته ينظر لابنه بتركيز ليردف الاخر بعد ان ارتبك قليلا من نظرات والده:- مش هينفع تفضل داخلة خارجة براحتها كدة .. وانا موقف حياتى عليها بالشكل دةنظر له رؤوف بخبث وتحدث قائلا:- انت هتصيع عليا يالا .. ما انت متنيل على عينك ومتجوز البت بتاعت الكباريه يعنى مش موقف حياتك عليها ولا حاجةأسرع عماد مدافعا عن نفسه:- عرفى ... متجوزها عرفى يومين وهقطع الورقة وهنخلصثم سألههو انت عرفت منين؟:- ودة سؤال يتسأل لرؤوف علام!!!تحرك رؤوف من على مكتبه ليجلس أمام ولده واردف:- انا مش عايز حاجة تعطل فرح أخوك ... يعدى بس وبعدين انا هتصرف فى الموضوع ...حاول عماد تفهم ما قاله والده وقال:- وانتو قررتوا حتعملوا الفرح فين ولا لسةابتسم رؤوف بمكر:- وهى دى لما اعملها فرح فين اهلها اللى هيحضروا ... مستحيل ييجوا وهيخلوا الناس تتكلم علينا ...:- يعنى مش هتعمل فرح ل
يجتاح الماضى خواطرنا .. فيصير كشبح يطاردنا .. خاصة اذا أردنا لفظه من حياتنا .. يلح علينا حتى لا ننساه .. وينجح دوما فى ذلك..ليترك داخلنا بقعة رمادية .. لا يُمحى أثرها حتى مع مرور الزمن..وماذا إذا نبشنا بالذكريات .. نحللها بدقة .. تفاصيلها المهمة.. أحداثها المؤلمة .. فوجدنا أسوأها زفه الينا اقرب أناس لدينا..ولكن يبقى السؤال المُلحهل علينا أن نأمل فى الآتٍ أم نخشى ان تتكرر الذكريات؟؟فى يوم شتوى سيطر عليه الهدوء نسبيا .. رياح خفيفة أخذت تضرب أجساد المارين بخفة .. تدغدغ مشاعرهم..على ممر صخرى طويل على شاطئ البحر يحتضن الأمواج ويتعمق الى الداخل عدة أمتار..يجلس خالد بعد أن صف سيارته وخلع سترته العلوية متناسيا إلحاح جسده طلبا للدفء .. يجلس بروح مهلهلة .. وآلآم مبرحة محلها القلب..على عقلك أن يصدق بأن الذكريات محوناها .. لا مكان لها بذاكراتنا .. لفظناها عن روحنا .. وما على قلبك سوى أن.. يتحمل..أخرج هاتفه من جيب بنطاله ووضعه على أذنه ليأتيه صوت الآخر مرحا:- حبيبى يا خلود .. كنت لسة هكلمكلم يجب خالد بل ظل يستنشق الهواء لعله يهدئ من لهيب قلبه.. تعجب الأخر ليقول:- خالد .. إنت كويس؟ليبت
وصل خالد الى مكتبه فاستقبلته نور بإبتسامتها الهادئة وقف لثوانى يتطلع اليها .. بها شئ يجذبه .. تثور مشاعره لرؤيتها..تنتفض حواسه لقربها .. يضطرب فؤاده أمامها .. رغم قناع الهدوء الذى يتقنه..هيئتها تشعره بالراحة .. ملامحها الهادئة تبعث الطمأنينة بقلبه ..عسل عينيها تطالعه عيناه بإشتهاء .. كعليل يسعى للشفاء ..وااااه على قلب يحارب محو اثار الماضى .. يجاهد كى يبقى إنسانا دون شوائب نفسية .. دون ضغائن عقلية ..يا ليت اللقاء كان فى الماضى .. كان قلبه لازال بكر .. كان ذلك السوى الحالم.. كان سيمطرها من عبارات الغزل التى تريح قلبها..كان سيعلمها أسس عشقه الأبدى .. لكن كيف لجريح من الهوى ان يكون لمصابيه طبيب..شعرت بنظراته فتخضب وجهها بالحمرة .. فأشاح ببصره عنها يلتقط أنفاسه ويحك ذقنه لإستعادة هدوءه .. ثم نظر اليها ثانية وقال لها بلباقة:- لو سمحتى يا نور ممكن تعمليلى قهوة مظبوط ..أسمها من بين شفتيه كنغمات موسيقى هادئة .. تلذذت بسماعه وطرب له قلبها .. تذكرت طلبه لتمتعض قليلا ولكن سريعا ما تخفى إمتعاضها وأومأت له بهدوء فأكمل طريقه ودخل غرفته ..تحركت نور بضيق و غمغمت لنفسها:- يعنى يوم ما يطلب م
كم كانت شبيهة قلوبهم .. بقبور مظلمةلم يجتاحها ولو حتى نور الإيمان .. يؤنسهم الشيطان بجلستهم.. فيدور يوسوس فى صدورهم .. ليأتوا بأمكر الحيل .. فيزدادوا إنتشاءا من عبقرية عقولهم ..مغيبون عن كونها زائلة .. مادامت لأحد قبلهم .. ولم تكن لهم دائمةستتركهم الحياة يحيكون مكائدهم .. ينسجون من مكرهم خيوطا لن تُلتف الا حول رقابهم...فى صالون قصر علام .. القصر الأشهر على الإطلاق بالعاصمة.. يتميز بأعمدته الفارهه وزينته الكلاسيكية .. غلب عليه لون الذهبصمم بإحترافية شديدة على يد أحد المصممين الإيطاليين المشهور بتصميماته المميزة ..اما عن ذلك الحائط المقابل لباب القصر الداخلى .. منقوش عليه صورة كاملة للقصر من الخارج كلوحة فنية عليهم الفخر بها ..جلس رؤوف علام وزوجته وعماد العائد من الخارج منذ وقت قصير ليجدهم يتسامرون فإنضم إليهم وجلس بجانب والدهلتهم أمه وتقول:- على فكرة حازم عايز يحدد الفرح وانا قولتله إنه لازم يجى يقولكم بنفسه..ترك رؤوف الجريدة من يده وتطلع لها بإهتمام وقال مستنكرا:- ليه هو كمان مش عايز يقولى؟!أشاحت له زيزى بيدها وقالت بتحفز:- سيبك من الكلام دة دلوقتى يا رؤوف .. ابنك لو محسس
جراح بقلب أضحى عليل.. فجراح الاحبة مؤذية.. تصيب صميم الفؤاد.. فتشعره بخدر يشمل حواسه سوى من ذلك الالم الذى يجتاح نفسه...فى غرفتها المبهجة تمتلئ بالالوان.. تحتوى على سرير صغير بجانب الشرفة.. وخزانة ملابس فى الجهة المقابلة مع مكتب صغير تبوح عليه بما يعتلى نفسها.. بئر أسرارها.. فليس لها أصدقاء مقربون فكثير من الخذلان يجعلنا نتجنب الجميع حتى لا نرهق انفسنا بالمزيد..حتى والدتها ففجوة كبيرة بينهم.. دوما تشعرها بأنها ليست جميلة.. تعلم أنها ليست فائقة الجمال.. لكن دوما ما تشعر بالرضا خصوصا مع ملامحها الشرقية الهادئة.. وشعرها الأسود الناعم الذى يزين جانبى وجهها ويصل الى أسفل ظهرها.. وكحلة عينيها التى تزيدها بريقا ولمعانا..جلست على فراشها ضامة ركبتيها الى صدرها تنظر من الشرفة تبكى بصمت كعادتها.. تتطلع للقمر الذى توسط ظلام السماء بحزن..يشبهها بوحدته.. إنفصاله عن الجميع.. متغافلة عن ان القمر بوحدته وعتمته ينير درب المحبين ليلاً..تذكرت ما حدث منذ عدة ساعات مع والدتهامنذ عدة ساعاتكانت تجهز نفسها بغرفتها ترتدى فستان رقيق من اللون الطوبى.. تزينه بعض الورود الصغيرة باللون الابيض والاسود..فبعد
فى ركن مخصص لأداء شعائره الدينية حرص على تصميمه بجميع الغرف ... ركن منزوى عن باقى الغرفة يحوى سجادة خضراء وإضاءة خاصة بلون خافت .. منضدة صغيرة بها عدد من الكتب الدينية للتفسير والسنة.يجلس الحاج رضوان بهذا المكان يتلو من آيات الله التى يخشع لها القلب وتستكين لها الروح وتهدأ بها النفس.دخل خالد ينادى جده بخفوت وعندما شعر به بالخلوة الدينيه زارت الابتسامة زاوية فمه .. فخلع نعليه برفق .. وجلس بهدوء و ورع يناسب هذا المكان .. إستشعر الجد وجوده رغم انه يواليه ظهره .. فصدق على كلام المولى ونظر اليه بحب ليقول خالد وهو يطالع المكان بشوق:- لو تعرف ياجدى انا متعلق بالمكان دة إزاى ... هتحس باللى بحس بيه كل ما باجى هنا .. رغم ان فى زيه فى الاوضة عندى بس بحس هنا بإحساس مختلف .. لو فى أقصى درجات حزنى بنسى كل حاجة مجرد ما رجلى بتخطى هنا..نظر له رضوان بدفء وحنان .. فخالد لا يعتبر حفيده بل هو حقا ابنه الذى رباه واعتنى به كثيرا .. كان يحرص على ان يرافقه بكل مكان يذهب اليه .. ربما لانه كان يخشى ان يصاب بمرض نفسى بسبب معاملة امه السيئة له .. فحاول ان لا يتركه كثيرا معها وهى ساعدته فى ذلك .. فهى لا تهتم







