Beranda / التشويق / الإثارة / غبار المرايا / حياكة خيوط المستحيل

Share

حياكة خيوط المستحيل

Penulis: Hadeer khalil
last update Tanggal publikasi: 2026-06-02 15:02:03

فتحت صوفيا الباب ودخلت الغرفة مجدداً، لم تكن جُمان على الفراش، بل كانت تجلس فوق مقعد وارف بجوار النافذة الضخمة، تسند رأسها الثقيل إلى الزجاج البارد لعله يطفئ النيران التي تنهش جبينها. كان الفستان الحريري الناعم الذي يخص "ميرا" يتدلى حول جسدها الشاحب، وبدت فيه كقديسة أسيرة تنتظر حكماً بالإعدام.

لم تتحدث صوفيا، بل بدأت تتحرك في الغرفة بنشاط وهدوء مدروس. اتجهت أولاً إلى خزائن الملابس الضخمة، فتحت ضلفاتها الفخمة لتنبعث منها رائحة عطر فرنسي ثقيل وخاص، وبدأت تخرج قطعاً محددة من الملابس، والأحذية ذات الكعوب العالية، ثم اتجهت إلى طاولة الزينة المرصعة بالمرمر، والتقطت صناديق المخمل التي تحوي مجوهرات ميرا، وزجاجات عطرها، وحتى ألبومات صورها الصغيرة.

نثرت صوفيا كل تلك الأشياء على الفراش الكبير الواسع، وكأنها تفكك جثة امرأة لتعيد تركيبها من جديد. التفتت إلى جُمان وقالت بصوت دافئ حنون يترفق بمرضها

: —طلبتك شاي سخن بالليمون علشان تخفي أسرع ، ودلوقتي ابعدي عن الشباك اللي بيدخل هواء بارد وتعالي هنا لو سمحتي 

لم تتحرك جُمان، بل سألتها بنبرة مبحوحة وعيناها معلقتان بالفراغ

: - ايه كل الحاجات دى ؟

تقدمت صوفيا نحوها، ومدت يدها بحنو تلمس جبينها لتجد أن الحرارة بدأت تنخفض قليلاً بفعل الدواء، فقالت وهي تسحبها برفق لتجلس على حافة الفراش مواجهة لتلك الأغراض

: - دي الحاجات اللي ميرا كانت بتستخدمها واللي انتي لازم تتعلمي تستخدميها كويس أوي علشان محدش يحس بحاجة وقبل ما عثمان بك يوصل 

لمعت عينا جُمان ببريق غاضب رغم تعبها، وقالت بكبرياء مجروح

: - يعني انتِ متأكدة اني مش ميرا ، ليه مصممين تعملوا كدة ؟!

جلست صوفيا بجوارها، وأمسكت بيديها الباردتين وقالت بصدق أمومي أذاب جزءاً من جليد خوفها

: - علشان عمران عزام يا بنتي ، عمران مش هيسمح لاي حاجة تهز مملكته اللي عايش طول عمره يحميها ويحافظ عليها ،الحقيقة بالنسبة له دلوقتي بقت رفاهية مش عنده ، والجد عثمان لو شك بس ان ميرا مش موجودة ، القصر هيتقلب جحيم فوق راس الكل 

كانت جُمان تتابع والخوف والحيرة تزداد بداخلها والمزيد من الاسئلة تجوب في رأسها فسألت 

:- أيوة وانا ذنبي ايه في كل دة ! أيه ذنبي اترمي وسط ناس صعبة بالشكل دة ؟ 

:- ذنبك انك نسخة طبق الأصل من ميرا ، وإن ميرا اختفت في وقت حرج جدا على العيلة كلها وبالذات عمران 

التيه والتوهان يستوطنان دواخلها فردت بتلعثم 

:- طيب لو اتكشفت او معرفتش اعمل اللي انتو عايزينه ايه اللي هيحصل ؟!

 التقطت صوفيا ورقة من مجموعة الملفات التي احضرتها معها منذ قليل وقالت بذكاء 

:- انتِ مصممة جرافيك ، مش كدة ؟ يعني تعرفي ازاي تعملي صور وشخصيات وترسمي التفاصيل كويس اوي 

أومأت جُمان برأسها ببطء، مستغربة من أين تأتي صوفيا بهذا الربط

ابتسمت صوفيا وقالت وهي تلتقط ألبوماً صغيراً من الصور وتضعه في حجر جُمان

: - اعتبري ميرا مشروعك اللي جاي ، ادرسي تفاصيلها ، مظهرها ، نبرة صوتها ، طريقة مشيها وكلامها ، صمميها باحتراف ، ما تديلهمش فرصة واحدة يكتشفوا اي ثغرة يقدروا يلاعبوكي بيها ، اعملي كل حاجة تقدري عليها مش علشان عمران ، بس علشان تحمي نفسك وتثبتي قوتك ومتبقيش لقمة سهلة تتهرس تحت رجليهم ، بالعكس استخدمي ذكائك علشان تكوني الأقوى وعلشان يكون ليكي سلاح قوي تحاربي بيه واقوى سلاح ليكي هنا هو عمران بيه !

نظرت جُمان إلى الألبوم بين يديها، ثم إلى أكوام الحرير والمجوهرات العشوائية على الفراش. تحركت بداخلها غريزة التحدي والدقة التي طالما تميزت بها في عملها؛ لقد فهمت قواعد اللعبة الآن. إذا أرادوا "ميرا"، فستمنحهم نسخة لا تشوبها شائبة، ولكن بشروطها وبكبريائها هي.

فتحت جُمان الألبوم، ووقعت عيناها على أول صورة لـ "ميرا"، وصعقت من شدة الشبه.. لكن عينها المدققة لاحظت فوراً الفارق؛ نظرة عين ميرا كانت فارغة، مستسلمة، أو ربما متهورة.. أما نظرتها هي، فكانت تشتعل بحرب لم تخسرها بعد.

التفتت جُمان إلى صوفيا وقالت بنبرة حاسمة تخلصت من ضعف المرض

: - ماشي ، انا موافقة ، انا جاهزة اتعلم كل حاجة عنها ، بس الصور دي مش كفاية انا محتاجة فيديوهات ليها وكمان محتاجة اعرف كل حاجة عن اللي موجودين هنا وعن طريقة ميرا معاهم 

اتسعت ابتسامة صوفيا لأول مرة منذ أن دخلت الغرفة. لم تكن سعيدة لأن جُمان وافقت أن تصبح ميرا بل لأنها أخيرًا بدأت تفكر كيف تنجو. مدت يدها إلى جهاز لوحي صغير كانت قد أحضرته معها ووضعته أمامها.

:- كدة بدأنا صح

فتحت عدة ملفات مصورة ثم أضافت بهدوء:

: - هتلاقي هنا فيديوهات لميرا من حفلات ومناسبات عائلية وسفر وشغل.

ثم أشارت إلى صورة لرجل وقور تجاوز السبعين.

: "وده عثمان عزام... الجد الكبير."

التقطت جُمان الجهاز ونظرت للصورة ، رجل ملامحه حادة رغم تقدمه في العمر ، عيناه تشبهان عيني عمران بصورة مخيفة.

فسألت:

:- هو دة  اللي الكل خايف منه؟

ابتسمت صوفيا ابتسامة خافتة.

:-  لا ، الكل بيعمل حسابه

انتقلت للصورة التالية.

:- "وده عمران."

رفعت جُمان حاجبها بسخرية.

: "مش محتاجة تعريف."

كادت صوفيا تضحك.

ثم قالت:

: "رغم كدة لازم تعرفيه أكتر من أي حد."

تجمدت ملامح جُمان قليلًا.

فأكملت صوفيا بجدية:

: "لأن أهم شخص في القصر ده مش عثمان بيه  ... عمران."

صمتت جُمان تتابعها.

فأردفت صوفيا:

: -عثمان بيه ممكن يكشفك لو غلطتي.

ثم أشارت إلى صورة عمران.

:- لكن عمران لو مقدرتيش تكسبيه ... محدش هيقدر يحميكي، ولا حتى عثمان بيه نفسه

هبط الصمت بينهما للحظات، تنهدت صوفيا وهي تقول 

:-عايزاكي تعرفي ان عمران مش ظالم وهو الوحيد اللي يقدر يحميكي هنا ، بس اللي عمله معاكي هو مضطر ليه 

أكملت بنبرة حاولت ان تخرج واثقة 

:- وكمان هو الى الان مش متأكد انك مش ميرا 

أصاب جُمان بعض الشك حول صدق صوفيا في ذلك تحديدا فسألت ببعض من المكر 

:- معقول اللي بتقوليه ، هو في راجل يتلغبط في مراته ؟!

قالت صوفيا بعملية 

:- زي ما قولتلك قبل كدة حكاية انه يدور على الحقيقة دي رفاهية مش متاحة دلوقتي فخلينا نركز افضل في اللي المفروض تعمليه 

أومأت جُمان لها بخفوت وهي تعلم أن هناك سر عظيم خلف عمران وخلف اختفاء المدعوة ميرا والأهم سر وجودها هنا !لكنها قررت ترك الحقائق تتكشف واحدة تلو الاخرى

ثم بدأت الصور تتنقل أمام عيني جُمان ... عالية هانم ... روان ...آدم ... سيف...

توقفت أصابعها فجأة فوق صورة سيف.رجل طويل، حاد الملامح، يحمل نظرة تشبه التحدي.فسألت:

: وده؟

تنهدت صوفيا.

: سيف عزام.

ثم أضافت ببطء:

: "ولو في حد في القصر ممكن يلاحظ إنك مش ميرا... فهو سيف."

رفعت جُمان رأسها سريعًا.

: "ليه؟"

أجابت صوفيا بعد لحظة تفكير:

: "لأنه أكتر شخص بيعادي عمران وبما انك مراته فأنت مش بعيدة عن اي حاجة بتحصل "

ساد الصمت.

ثم أغلقت جُمان الجهاز بهدوء.

رفعت رأسها ونظرت إلى صوفيا بثبات جديد لم يكن موجودًا قبل ساعة.

وقالت:

: "يبقى نبدأ بالأصعب."

ابتسمت صوفيا باستغراب.

فأكملت جُمان:

: "احكيلي كل حاجة عن عمران عزام."

*******

 صعد عمران  إلى الجناح الخاص به في الجانب المعزول من القصر. أغلق الباب خلفه، وتخلص من سترته الرسمية بعنف و أطاح بها فوق المقعد، ثم اتجه مباشرة نحو الشرفة الواسعة المطلة على حدائق القصر المترامية التي غلفها ظلام الليل

وقف يتلقف الهواء البارد في صدره العضلي العاري ولا يبالي بلسعاته القاسية ،أشعل سيجاره الفاخر  وظل يراقب تصاعد دخانها الرمادي في الهواء، بينما كانت عيناه تحاكيان عتمة الليل في الخارج.

للمرة الأولى منذ سنوات، يشعر عمران بأن الحبال تلتف حول عنقه. فكرة واحدة كانت تنهش عقله بلا رحمة

هل ستنجح تلك الفتاة العنيدة في أن تكون ميرا؟ وهل ستصمد أمام طوفان الأسبوع القادم قبل وصول الجد عثمان؟ تذكر نظراتها المشتعلة بالتحدي في الغرفة، وكلماتها الجارحة التي قذفتها في وجهه: "ما تبقاش أعمى القلب والنظر!". تلك الفتاة تملك كبرياءً قاتلاً قد يدمر كل شيء في لحظة غضب، لكنه في ذات الوقت، هو نفس الكبرياء الذي قد يجعلها تتقن دور "ميرا عزام" لتثبت له أنها ليست ضعيفة.

تنهد بعمق، ومرر يده في خصلات شعره الداكنة بقلة حيلة لم يعتدها. لم يكن يملك رفاهية الاختيار ؛ فقرار تبني هذه اللعبة الخطرة مع جُمان لم يكن نابعاً من رغبة في الخداع، بل كان درعاً أخيراً لحماية ما تبقى من إمبراطورية "عزام" التي يحاول تطهيرها.

ذلك القرار الذي اتخذه بعد سنين طويلة من العمل المشبوه الذي يتخلل بين ثنايا العائلة والذي راح ضحيته الكثير وعلى رأسهم والده الابن الاكبر لعثمان عزام ، كان قرارًا مصيريًا ربما لم يفصح به رسميا ولكن الأمر يدور في دائرة الشائعات ولم ينفي او يقر شيئًا منها الى الان .

التخلي التام عن كل الأعمال القذرة، وتحويل الإمبراطورية إلى العمل الشرعي بالكامل. كان يعلم أن هذا القرار سيفجر في وجهه براكين من الصراعات، وأن أطرافاً كثيرة داخل العائلة وخارجها لن يغفروا له محاولة قطع شريان الأموال الحرام التي تغذوا عليها لسنوات.

ابتسم بسخرية مريرة وهو ينفض رماد سيجارته، وتزاحمت الأسئلة في رأسه حول ميرا واختفاءها المفاجىء.

لا يعلم اذا كان اختفاؤها ضريبة لقراره بما يخص تجارة العائلة ؟ ام كان اختفاؤها مجرد ورقة ضد لعدوله عن قراره أم الأمر أشد تعقيدا من هذا ؟!

عقد حاجبيه بقسوة وهو يتذكر تقلبات ميرا وغموضها في الفترة الأخيرة قبل اختفائها. ثمة هاجس أسود يهمس في عقله بأن غيابها قد لا يكون اختطافاً على الإطلاق، بل ربما هي لعبة خفية حاكتها ميرا بنفسها.. مؤامرة نسجت خيوطها لغرض ما، أو لربما هربت بمحض إرادتها لتضعه في هذا المأزق القاتل أمام الجد عثمان! عدم معرفته بالحقيقة كان ينهش رجولته ويقينه، فميرا زوجته في النهاية، واختفاؤها هو اللغز الذي يتركه مكشوف الظهر أمام أعدائه.

والآن، مع اقتراب وصول الجد عثمان الذي يملك مفاتيح القوة والشرعية، فإن أي زلة، أو أي اعتراف بأن "ميرا" التي في الغرفة هي فتاة مزيفة تدعى جُمان، سيعني انهيار كل ما بناه، وسيعطي الضوء الأخضر لأعدائه للانقضاض عليه وإعادتها لزمن الدماء والصفقات المشبوهة.

أطفأ سيجارته بعنف في المنفضة الرخامية، وتحجرت ملامحه وعادت إليها القسوة الصارمة.

:" لازم تنجحي يا جمان ، ماقدمناش حل تاني ، لحد ما اوصل لحقيقة اختفاء ميرا "

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا

  • غبار المرايا    تحركات فوق رقعة الشطرنج

    كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة

  • غبار المرايا    أقنعة الصباح.. ونيران الليل

    وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع

  • غبار المرايا    حقل الألغام

    انفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم ا

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status