เข้าสู่ระบบفتحت صوفيا الباب ودخلت الغرفة مجدداً، لم تكن جُمان على الفراش، بل كانت تجلس فوق مقعد وارف بجوار النافذة الضخمة، تسند رأسها الثقيل إلى الزجاج البارد لعله يطفئ النيران التي تنهش جبينها. كان الفستان الحريري الناعم الذي يخص "ميرا" يتدلى حول جسدها الشاحب، وبدت فيه كقديسة أسيرة تنتظر حكماً بالإعدام.
لم تتحدث صوفيا، بل بدأت تتحرك في الغرفة بنشاط وهدوء مدروس. اتجهت أولاً إلى خزائن الملابس الضخمة، فتحت ضلفاتها الفخمة لتنبعث منها رائحة عطر فرنسي ثقيل وخاص، وبدأت تخرج قطعاً محددة من الملابس، والأحذية ذات الكعوب العالية، ثم اتجهت إلى طاولة الزينة المرصعة بالمرمر، والتقطت صناديق المخمل التي تحوي مجوهرات ميرا، وزجاجات عطرها، وحتى ألبومات صورها الصغيرة.
نثرت صوفيا كل تلك الأشياء على الفراش الكبير الواسع، وكأنها تفكك جثة امرأة لتعيد تركيبها من جديد. التفتت إلى جُمان وقالت بصوت دافئ حنون يترفق بمرضها
: —طلبتك شاي سخن بالليمون علشان تخفي أسرع ، ودلوقتي ابعدي عن الشباك اللي بيدخل هواء بارد وتعالي هنا لو سمحتي
لم تتحرك جُمان، بل سألتها بنبرة مبحوحة وعيناها معلقتان بالفراغ
: - ايه كل الحاجات دى ؟
تقدمت صوفيا نحوها، ومدت يدها بحنو تلمس جبينها لتجد أن الحرارة بدأت تنخفض قليلاً بفعل الدواء، فقالت وهي تسحبها برفق لتجلس على حافة الفراش مواجهة لتلك الأغراض
: - دي الحاجات اللي ميرا كانت بتستخدمها واللي انتي لازم تتعلمي تستخدميها كويس أوي علشان محدش يحس بحاجة وقبل ما عثمان بك يوصل
لمعت عينا جُمان ببريق غاضب رغم تعبها، وقالت بكبرياء مجروح
: - يعني انتِ متأكدة اني مش ميرا ، ليه مصممين تعملوا كدة ؟!
جلست صوفيا بجوارها، وأمسكت بيديها الباردتين وقالت بصدق أمومي أذاب جزءاً من جليد خوفها
: - علشان عمران عزام يا بنتي ، عمران مش هيسمح لاي حاجة تهز مملكته اللي عايش طول عمره يحميها ويحافظ عليها ،الحقيقة بالنسبة له دلوقتي بقت رفاهية مش عنده ، والجد عثمان لو شك بس ان ميرا مش موجودة ، القصر هيتقلب جحيم فوق راس الكل
كانت جُمان تتابع والخوف والحيرة تزداد بداخلها والمزيد من الاسئلة تجوب في رأسها فسألت
:- أيوة وانا ذنبي ايه في كل دة ! أيه ذنبي اترمي وسط ناس صعبة بالشكل دة ؟
:- ذنبك انك نسخة طبق الأصل من ميرا ، وإن ميرا اختفت في وقت حرج جدا على العيلة كلها وبالذات عمران
التيه والتوهان يستوطنان دواخلها فردت بتلعثم
:- طيب لو اتكشفت او معرفتش اعمل اللي انتو عايزينه ايه اللي هيحصل ؟!
التقطت صوفيا ورقة من مجموعة الملفات التي احضرتها معها منذ قليل وقالت بذكاء
:- انتِ مصممة جرافيك ، مش كدة ؟ يعني تعرفي ازاي تعملي صور وشخصيات وترسمي التفاصيل كويس اوي
أومأت جُمان برأسها ببطء، مستغربة من أين تأتي صوفيا بهذا الربط
ابتسمت صوفيا وقالت وهي تلتقط ألبوماً صغيراً من الصور وتضعه في حجر جُمان
: - اعتبري ميرا مشروعك اللي جاي ، ادرسي تفاصيلها ، مظهرها ، نبرة صوتها ، طريقة مشيها وكلامها ، صمميها باحتراف ، ما تديلهمش فرصة واحدة يكتشفوا اي ثغرة يقدروا يلاعبوكي بيها ، اعملي كل حاجة تقدري عليها مش علشان عمران ، بس علشان تحمي نفسك وتثبتي قوتك ومتبقيش لقمة سهلة تتهرس تحت رجليهم ، بالعكس استخدمي ذكائك علشان تكوني الأقوى وعلشان يكون ليكي سلاح قوي تحاربي بيه واقوى سلاح ليكي هنا هو عمران بيه !
نظرت جُمان إلى الألبوم بين يديها، ثم إلى أكوام الحرير والمجوهرات العشوائية على الفراش. تحركت بداخلها غريزة التحدي والدقة التي طالما تميزت بها في عملها؛ لقد فهمت قواعد اللعبة الآن. إذا أرادوا "ميرا"، فستمنحهم نسخة لا تشوبها شائبة، ولكن بشروطها وبكبريائها هي.
فتحت جُمان الألبوم، ووقعت عيناها على أول صورة لـ "ميرا"، وصعقت من شدة الشبه.. لكن عينها المدققة لاحظت فوراً الفارق؛ نظرة عين ميرا كانت فارغة، مستسلمة، أو ربما متهورة.. أما نظرتها هي، فكانت تشتعل بحرب لم تخسرها بعد.
التفتت جُمان إلى صوفيا وقالت بنبرة حاسمة تخلصت من ضعف المرض
: - ماشي ، انا موافقة ، انا جاهزة اتعلم كل حاجة عنها ، بس الصور دي مش كفاية انا محتاجة فيديوهات ليها وكمان محتاجة اعرف كل حاجة عن اللي موجودين هنا وعن طريقة ميرا معاهم
اتسعت ابتسامة صوفيا لأول مرة منذ أن دخلت الغرفة. لم تكن سعيدة لأن جُمان وافقت أن تصبح ميرا بل لأنها أخيرًا بدأت تفكر كيف تنجو. مدت يدها إلى جهاز لوحي صغير كانت قد أحضرته معها ووضعته أمامها.
:- كدة بدأنا صح
فتحت عدة ملفات مصورة ثم أضافت بهدوء:
: - هتلاقي هنا فيديوهات لميرا من حفلات ومناسبات عائلية وسفر وشغل.
ثم أشارت إلى صورة لرجل وقور تجاوز السبعين.
: "وده عثمان عزام... الجد الكبير."
التقطت جُمان الجهاز ونظرت للصورة ، رجل ملامحه حادة رغم تقدمه في العمر ، عيناه تشبهان عيني عمران بصورة مخيفة.
فسألت:
:- هو دة اللي الكل خايف منه؟
ابتسمت صوفيا ابتسامة خافتة.
:- لا ، الكل بيعمل حسابه
انتقلت للصورة التالية.
:- "وده عمران."
رفعت جُمان حاجبها بسخرية.
: "مش محتاجة تعريف."
كادت صوفيا تضحك.
ثم قالت:
: "رغم كدة لازم تعرفيه أكتر من أي حد."
تجمدت ملامح جُمان قليلًا.
فأكملت صوفيا بجدية:
: "لأن أهم شخص في القصر ده مش عثمان بيه ... عمران."
صمتت جُمان تتابعها.
فأردفت صوفيا:
: -عثمان بيه ممكن يكشفك لو غلطتي.
ثم أشارت إلى صورة عمران.
:- لكن عمران لو مقدرتيش تكسبيه ... محدش هيقدر يحميكي، ولا حتى عثمان بيه نفسه
هبط الصمت بينهما للحظات، تنهدت صوفيا وهي تقول
:-عايزاكي تعرفي ان عمران مش ظالم وهو الوحيد اللي يقدر يحميكي هنا ، بس اللي عمله معاكي هو مضطر ليه
أكملت بنبرة حاولت ان تخرج واثقة
:- وكمان هو الى الان مش متأكد انك مش ميرا
أصاب جُمان بعض الشك حول صدق صوفيا في ذلك تحديدا فسألت ببعض من المكر
:- معقول اللي بتقوليه ، هو في راجل يتلغبط في مراته ؟!
قالت صوفيا بعملية
:- زي ما قولتلك قبل كدة حكاية انه يدور على الحقيقة دي رفاهية مش متاحة دلوقتي فخلينا نركز افضل في اللي المفروض تعمليه
أومأت جُمان لها بخفوت وهي تعلم أن هناك سر عظيم خلف عمران وخلف اختفاء المدعوة ميرا والأهم سر وجودها هنا !لكنها قررت ترك الحقائق تتكشف واحدة تلو الاخرى
ثم بدأت الصور تتنقل أمام عيني جُمان ... عالية هانم ... روان ...آدم ... سيف...
توقفت أصابعها فجأة فوق صورة سيف.رجل طويل، حاد الملامح، يحمل نظرة تشبه التحدي.فسألت:
: وده؟
تنهدت صوفيا.
: سيف عزام.
ثم أضافت ببطء:
: "ولو في حد في القصر ممكن يلاحظ إنك مش ميرا... فهو سيف."
رفعت جُمان رأسها سريعًا.
: "ليه؟"
أجابت صوفيا بعد لحظة تفكير:
: "لأنه أكتر شخص بيعادي عمران وبما انك مراته فأنت مش بعيدة عن اي حاجة بتحصل "
ساد الصمت.
ثم أغلقت جُمان الجهاز بهدوء.
رفعت رأسها ونظرت إلى صوفيا بثبات جديد لم يكن موجودًا قبل ساعة.
وقالت:
: "يبقى نبدأ بالأصعب."
ابتسمت صوفيا باستغراب.
فأكملت جُمان:
: "احكيلي كل حاجة عن عمران عزام."
*******
صعد عمران إلى الجناح الخاص به في الجانب المعزول من القصر. أغلق الباب خلفه، وتخلص من سترته الرسمية بعنف و أطاح بها فوق المقعد، ثم اتجه مباشرة نحو الشرفة الواسعة المطلة على حدائق القصر المترامية التي غلفها ظلام الليل
وقف يتلقف الهواء البارد في صدره العضلي العاري ولا يبالي بلسعاته القاسية ،أشعل سيجاره الفاخر وظل يراقب تصاعد دخانها الرمادي في الهواء، بينما كانت عيناه تحاكيان عتمة الليل في الخارج.
للمرة الأولى منذ سنوات، يشعر عمران بأن الحبال تلتف حول عنقه. فكرة واحدة كانت تنهش عقله بلا رحمة
هل ستنجح تلك الفتاة العنيدة في أن تكون ميرا؟ وهل ستصمد أمام طوفان الأسبوع القادم قبل وصول الجد عثمان؟ تذكر نظراتها المشتعلة بالتحدي في الغرفة، وكلماتها الجارحة التي قذفتها في وجهه: "ما تبقاش أعمى القلب والنظر!". تلك الفتاة تملك كبرياءً قاتلاً قد يدمر كل شيء في لحظة غضب، لكنه في ذات الوقت، هو نفس الكبرياء الذي قد يجعلها تتقن دور "ميرا عزام" لتثبت له أنها ليست ضعيفة.
تنهد بعمق، ومرر يده في خصلات شعره الداكنة بقلة حيلة لم يعتدها. لم يكن يملك رفاهية الاختيار ؛ فقرار تبني هذه اللعبة الخطرة مع جُمان لم يكن نابعاً من رغبة في الخداع، بل كان درعاً أخيراً لحماية ما تبقى من إمبراطورية "عزام" التي يحاول تطهيرها.
ذلك القرار الذي اتخذه بعد سنين طويلة من العمل المشبوه الذي يتخلل بين ثنايا العائلة والذي راح ضحيته الكثير وعلى رأسهم والده الابن الاكبر لعثمان عزام ، كان قرارًا مصيريًا ربما لم يفصح به رسميا ولكن الأمر يدور في دائرة الشائعات ولم ينفي او يقر شيئًا منها الى الان .
التخلي التام عن كل الأعمال القذرة، وتحويل الإمبراطورية إلى العمل الشرعي بالكامل. كان يعلم أن هذا القرار سيفجر في وجهه براكين من الصراعات، وأن أطرافاً كثيرة داخل العائلة وخارجها لن يغفروا له محاولة قطع شريان الأموال الحرام التي تغذوا عليها لسنوات.
ابتسم بسخرية مريرة وهو ينفض رماد سيجارته، وتزاحمت الأسئلة في رأسه حول ميرا واختفاءها المفاجىء.
لا يعلم اذا كان اختفاؤها ضريبة لقراره بما يخص تجارة العائلة ؟ ام كان اختفاؤها مجرد ورقة ضد لعدوله عن قراره أم الأمر أشد تعقيدا من هذا ؟!
عقد حاجبيه بقسوة وهو يتذكر تقلبات ميرا وغموضها في الفترة الأخيرة قبل اختفائها. ثمة هاجس أسود يهمس في عقله بأن غيابها قد لا يكون اختطافاً على الإطلاق، بل ربما هي لعبة خفية حاكتها ميرا بنفسها.. مؤامرة نسجت خيوطها لغرض ما، أو لربما هربت بمحض إرادتها لتضعه في هذا المأزق القاتل أمام الجد عثمان! عدم معرفته بالحقيقة كان ينهش رجولته ويقينه، فميرا زوجته في النهاية، واختفاؤها هو اللغز الذي يتركه مكشوف الظهر أمام أعدائه.
والآن، مع اقتراب وصول الجد عثمان الذي يملك مفاتيح القوة والشرعية، فإن أي زلة، أو أي اعتراف بأن "ميرا" التي في الغرفة هي فتاة مزيفة تدعى جُمان، سيعني انهيار كل ما بناه، وسيعطي الضوء الأخضر لأعدائه للانقضاض عليه وإعادتها لزمن الدماء والصفقات المشبوهة.
أطفأ سيجارته بعنف في المنفضة الرخامية، وتحجرت ملامحه وعادت إليها القسوة الصارمة.
:" لازم تنجحي يا جمان ، ماقدمناش حل تاني ، لحد ما اوصل لحقيقة اختفاء ميرا "
جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم
لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي
في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو
في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م
انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما
داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما
قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي ب
في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقف
خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها
كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت ك







