LOGINيحارب الطرقات ... يصارع الزمن كى يصل اليه فى أسرع وقت ممكن ... انهياره بهذا الشكل على الهاتف أثار غضبه ..... فهو دائما ذلك الإنسان الهادئ ... الذى يتحكم بمشاعره بقوة .... لكن تخلى عن قوقعته ... فخشى ان يصيبه مكروه ... خشى ان يصاب بالخرس النفسى مجددا ...... لم يستطع ان يتقبل الفكرة ثانيةً ...
يعلم انه بموقف لا يحسد عليه ... فقد وجد أمه على قيد الحياة بعد كل السنوات الماضية ... اين كانت؟؟ واذا هى من ابتعدت بإرادتها لما عادت الان ... ندم للحظات انه أخبره منذ وفاتها ان يتعقل قليلا ويبحث خلف اختفاءها... لم يكن يعلم ان سيظل يبحث حتى الأن ....
شرد قليلا بالماضى ليعيد جزء من الامه المدفونه بأعماقه ولم يخبر بها أحدا حتى الان ....
كان فى بداية شبابه ... يعيش حياة جميلة بين أبوين رائعين ...
حبهم له وحنانهم عليه لم يجعله ان يصدق ما سمعته أذنيه حتى الأن...
كان يجلس مع خالد فى الطابق الأسفل للبناية حين طلب منه "حسين" والد خالد ان يصعد الى أعلى لإستعجال والديه فسيتأخرون على موعد الطائرة ...
فإتجه الى أعلى مسرعا فوجد صوتهم عالى بعض الشئ....
فاسترق السمع محاولا فهم ما يدور بالداخل فوجد أمه تقول
:- انت ضحكت عليا زمان وانا عديتها بمزاجى بس انا من حقى أعرف الحقيقة
:- اهدى يا ناهد ووطى صوتك .... فهمينى ضحكت عليكى فى ايه زمان .... وحقيقة ايه اللى مصرة تعرفيها
وقفت أمامه وهى تنظر لعينيه بقوة وقالت
:- ان عمر مش ابنى ... ابنى مات وانا بولده. ..
نزلت تلك الكلمات على عمر كالصاعقة ... تسمر مكانه لا يصدق ما قالته أمه للتو ... أمه!!! كيف أمه وهى تعترف انه ليس ولدها ... انقذه من توهانه صوت والده هادرا ولكنه مهزوزا بشكل واضح
:- ايه الهبل اللى بتقوليه دة انتى اتجننتى ... وبعدين لما انتى متأكدة كدة .... سكتى السنين اللى فاتت دى ليه واشمعنى جاية تتكلمى دلوقتى؟
فقالت بحزن
:- كنت خايفة اتكلم معاك اتصدم بالحقيقة ... خايفة أنطق يطلع كل اللى فى دماغى صح ... خوفت حياتنا تبوظ وعمر يتأثر
سكتت قليلا ثم اردفت بتوسل
:- علشان خاطرى يا مراد طمن قلبى وريحنى ...
نظر لها بإرتباك ولكنه حاول ان تكون نبرته واثقة
:- أقولك ايه بس .... انا مش مصدق أصلا اللى انتى بتقوليه ... إزاى تفكرى بالشكل دة ...
ابتسمت بسخرية وقالت
:- لازم أفكر كدة ... لأن دى الحقيقة ...
صمتت قليلا تستعيد شيئا من الماضى فأردفت
:- يوم ولادتى كنت تعبانة اوى ... و حالة البيبى مكنتش مستقرة ... سمعت الدكاترة وهما بيقولوا لازم ننقذ حياتها حتى لو على حساب الجنين ... " بدأت دموعها أن تسيل على وجنتيها "
كنت عايزة أصرخ وأقولهم لا ... انا مش مهم ... المهم ابنى ... بس من تعبى مقدرتش أتكلم ... وفى الاخر سمعت صوته نازل بيعيط ... حمدت ربنا و عيطت ربنا إستجاب لدعائى و ابنى كويس ... بس بعد شوية لقيت الدنيا حوليا اتلغبطت والممرضة سمعتها بتقول ان البيبى مات .... محستش بنفسى وقتها غير وغيامة سودا بتنزل ببطء على عينى ... حسيت بروحى بتتسحب منى ....
ولما فوقت لقيتك بتدينى البيبى وبتقولى ابننا اهو ...
كنت عارفة انك بتكذب يا مراد ... بس صدقتك ... صدقتك علشان مفيش قدامى غير انى أصدق و دة كان أفضل حل بالنسبالى ... هبقى أم ومش عايزة أشغل دماغى بحاجة تانية غير ابنى وبس ....
لكن دلوقتى عايزة أفهم الحقيقة ...
قال مراد وهو يقترب من الباب مستعدا للخروج يتجاهل كلامها ... كل هذا تتذكره ... وهو يحسبها تعيش بشكل طبيعى ... فقرر اللجوء لصديقه وابن عمه حسين ليرى ماذا سيفعل ...
:- انا نازل يا ناهد زمان حسين مستنينا ... وإياك تتكلمى مع حد فى الكلام الفارغ اللى انتى قولتيه دلوقتى دة ...
شعر عمر بخروج والده فجرى مسرعا الى أعلى حتى لا يراه أحد ...
أفاق من شروده عندما وصل الى مكان خالد بوقت قياسى ... هرول اليه باحثا عنه بين الموجودين وحينما رآه يقف بثبات واضعا يديه بجيب بنطاله يتأمل تضارب موجات البحر الهائجة ... كأنها تعلم بمكنونات نفسه ...
هدأت خطواته وبدأ فى أخذ أنفاسه بإنتظام... اقترب منه وهو يقول بهيئة لا تحمل للمرح معنى
:- كنت مراهن نفسى انى هلاقيك هنا
انتبه اليه خالد ونظر له بإستغراب
:- انت جيت بسرعة كدة ازاى؟
أجابه الأخر
:- سيبك منى وقولى انت عامل ايه دلوقتى
نظر خالد للفراغ أمامه مرة أخرى وقال بشئ من السخرية ...
:- هكون عامل ايه يعنى ... زى ما انت شايف
فسأله عمر مستفهما
:- طيب ناوى على ايه ...
قال خالد بجدية
:- هى طالما قررت تظهر فى إسكندرية ... يبقى مش بعيد تجيلنا البيت قريب ...
:- و هتعمل ايه
أجابه خالد بهدوء
:- انا مراقب كل تحركاتها .... لما نشوف كاميليا هانم ناوية على ايه ....
ربت عمر على كتف صديقه قائلا
متستعجلش يا خالد .... ومتحكمش غير لما تسمع منها الاول ... يمكن نكون ظالمنها
التفت اليه خالد ورد بثبات
:- انت بتضحك على نفسك يا عمر ولا بتضحك عليا ... ولا تكون بتصبرنى على اللى انا فيه .... متقلقش .... انا يمكن اتصدمت شوية فى الأول .... كان صعب عليا انى الاقى امى اللى ماتت من سنين عايشة ... بس خلاص ... فوقت بسرعة ولازم أحسب خطواتى كويس علشان أعرف الحقيقة ...
ثم أكد عليه قائلا ...
:- مش محتاج أأكد عليك ... مفيش مخلوق يعرف الموضوع دة ...
أومأ عمر برأسه مؤكدا على ذلك ... ثم إتجه كل الى سيارته ...
يجلس الحاج رضوان فى الحديقة الصغيرة الملحقة بالمنزل .... بجلبابه الأبيض الذى رسم لوحة فنية متناسقة مع الشيب الذى اختلط بلحيته وشعره فما ذاده الا وقارا ... يتلو من آيات الله كما هو معتاد دوما ...لمح محمود عائد من الخارج وعندما وجده بالحديقة اتجه اليه قّبل رأسه وجلس على الكرسى بجواره وهو يسأله عن أحواله وصحته فقال رضوان:- انت كنت فين كدة؟ هو فى جامعة لحد دلوقتىفأجاب محمود:- هو بيبقى فيه جامعة فى الوقت دة عادى ... بس انا كنت عند سليمفسأله والده:- علشان موضوع حسن ولا حاجة تانية:- اه هو كلمنى يبلغنى انهم موافقين وكان عايزنى اروح علشان نحدد ميعاد الخطوبة ...اغلق رضوان المصحف وتركه من يده .. وخلع نظارته الطبية الخاصة بالقراءة ثم نظر الى ولده وقال بشئ من الحدة ..:- وابنك مأخدتهوش معاك ليهرد محمود بإرتباك:- هيجى معايا يعمل ايه يا بابا ... دى قعدة اتفاق وانا اتفقت معاه وخلاص ...تحدث رضوان محاولا امتصاص غضبه:- هو مين اللى هيتجوز يا محمود انت ولا هو ... مين اللى المفروض ملزم بكل كلمة اتقالت فى الاتفاق دة ... مين كان من حقه يعترض او يوافق على حاجة سليم الهوارى يقولها ...للأسف يا محمو
يحارب الطرقات ... يصارع الزمن كى يصل اليه فى أسرع وقت ممكن ... انهياره بهذا الشكل على الهاتف أثار غضبه ..... فهو دائما ذلك الإنسان الهادئ ... الذى يتحكم بمشاعره بقوة .... لكن تخلى عن قوقعته ... فخشى ان يصيبه مكروه ... خشى ان يصاب بالخرس النفسى مجددا ...... لم يستطع ان يتقبل الفكرة ثانيةً ...يعلم انه بموقف لا يحسد عليه ... فقد وجد أمه على قيد الحياة بعد كل السنوات الماضية ... اين كانت؟؟ واذا هى من ابتعدت بإرادتها لما عادت الان ... ندم للحظات انه أخبره منذ وفاتها ان يتعقل قليلا ويبحث خلف اختفاءها... لم يكن يعلم ان سيظل يبحث حتى الأن ....شرد قليلا بالماضى ليعيد جزء من الامه المدفونه بأعماقه ولم يخبر بها أحدا حتى الان ....كان فى بداية شبابه ... يعيش حياة جميلة بين أبوين رائعين ...حبهم له وحنانهم عليه لم يجعله ان يصدق ما سمعته أذنيه حتى الأن...كان يجلس مع خالد فى الطابق الأسفل للبناية حين طلب منه "حسين" والد خالد ان يصعد الى أعلى لإستعجال والديه فسيتأخرون على موعد الطائرة ...فإتجه الى أعلى مسرعا فوجد صوتهم عالى بعض الشئ....فاسترق السمع محاولا فهم ما يدور بالداخل فوجد أمه تقول:- انت
دخل عماد الى مكتب والده يعاتبه بغضب:- ازاى يا بابا توافق ان اخويا الصغير يتجوز قبلى؟نظر له رؤوف بضيق:- عايز ايه ياعمادجلس على الكرسى المقابل لوالده وقال:- عايز تعرف انا عايز ايه.. عايز اجيبها من شعرها واتجوزها حتى لو غصب عنها ...اعتدل رؤوف فى جلسته ينظر لابنه بتركيز ليردف الاخر بعد ان ارتبك قليلا من نظرات والده:- مش هينفع تفضل داخلة خارجة براحتها كدة .. وانا موقف حياتى عليها بالشكل دةنظر له رؤوف بخبث وتحدث قائلا:- انت هتصيع عليا يالا .. ما انت متنيل على عينك ومتجوز البت بتاعت الكباريه يعنى مش موقف حياتك عليها ولا حاجةأسرع عماد مدافعا عن نفسه:- عرفى ... متجوزها عرفى يومين وهقطع الورقة وهنخلصثم سألههو انت عرفت منين؟:- ودة سؤال يتسأل لرؤوف علام!!!تحرك رؤوف من على مكتبه ليجلس أمام ولده واردف:- انا مش عايز حاجة تعطل فرح أخوك ... يعدى بس وبعدين انا هتصرف فى الموضوع ...حاول عماد تفهم ما قاله والده وقال:- وانتو قررتوا حتعملوا الفرح فين ولا لسةابتسم رؤوف بمكر:- وهى دى لما اعملها فرح فين اهلها اللى هيحضروا ... مستحيل ييجوا وهيخلوا الناس تتكلم علينا ...:- يعنى مش هتعمل فرح ل
يجتاح الماضى خواطرنا .. فيصير كشبح يطاردنا .. خاصة اذا أردنا لفظه من حياتنا .. يلح علينا حتى لا ننساه .. وينجح دوما فى ذلك..ليترك داخلنا بقعة رمادية .. لا يُمحى أثرها حتى مع مرور الزمن..وماذا إذا نبشنا بالذكريات .. نحللها بدقة .. تفاصيلها المهمة.. أحداثها المؤلمة .. فوجدنا أسوأها زفه الينا اقرب أناس لدينا..ولكن يبقى السؤال المُلحهل علينا أن نأمل فى الآتٍ أم نخشى ان تتكرر الذكريات؟؟فى يوم شتوى سيطر عليه الهدوء نسبيا .. رياح خفيفة أخذت تضرب أجساد المارين بخفة .. تدغدغ مشاعرهم..على ممر صخرى طويل على شاطئ البحر يحتضن الأمواج ويتعمق الى الداخل عدة أمتار..يجلس خالد بعد أن صف سيارته وخلع سترته العلوية متناسيا إلحاح جسده طلبا للدفء .. يجلس بروح مهلهلة .. وآلآم مبرحة محلها القلب..على عقلك أن يصدق بأن الذكريات محوناها .. لا مكان لها بذاكراتنا .. لفظناها عن روحنا .. وما على قلبك سوى أن.. يتحمل..أخرج هاتفه من جيب بنطاله ووضعه على أذنه ليأتيه صوت الآخر مرحا:- حبيبى يا خلود .. كنت لسة هكلمكلم يجب خالد بل ظل يستنشق الهواء لعله يهدئ من لهيب قلبه.. تعجب الأخر ليقول:- خالد .. إنت كويس؟ليبت
وصل خالد الى مكتبه فاستقبلته نور بإبتسامتها الهادئة وقف لثوانى يتطلع اليها .. بها شئ يجذبه .. تثور مشاعره لرؤيتها..تنتفض حواسه لقربها .. يضطرب فؤاده أمامها .. رغم قناع الهدوء الذى يتقنه..هيئتها تشعره بالراحة .. ملامحها الهادئة تبعث الطمأنينة بقلبه ..عسل عينيها تطالعه عيناه بإشتهاء .. كعليل يسعى للشفاء ..وااااه على قلب يحارب محو اثار الماضى .. يجاهد كى يبقى إنسانا دون شوائب نفسية .. دون ضغائن عقلية ..يا ليت اللقاء كان فى الماضى .. كان قلبه لازال بكر .. كان ذلك السوى الحالم.. كان سيمطرها من عبارات الغزل التى تريح قلبها..كان سيعلمها أسس عشقه الأبدى .. لكن كيف لجريح من الهوى ان يكون لمصابيه طبيب..شعرت بنظراته فتخضب وجهها بالحمرة .. فأشاح ببصره عنها يلتقط أنفاسه ويحك ذقنه لإستعادة هدوءه .. ثم نظر اليها ثانية وقال لها بلباقة:- لو سمحتى يا نور ممكن تعمليلى قهوة مظبوط ..أسمها من بين شفتيه كنغمات موسيقى هادئة .. تلذذت بسماعه وطرب له قلبها .. تذكرت طلبه لتمتعض قليلا ولكن سريعا ما تخفى إمتعاضها وأومأت له بهدوء فأكمل طريقه ودخل غرفته ..تحركت نور بضيق و غمغمت لنفسها:- يعنى يوم ما يطلب م
كم كانت شبيهة قلوبهم .. بقبور مظلمةلم يجتاحها ولو حتى نور الإيمان .. يؤنسهم الشيطان بجلستهم.. فيدور يوسوس فى صدورهم .. ليأتوا بأمكر الحيل .. فيزدادوا إنتشاءا من عبقرية عقولهم ..مغيبون عن كونها زائلة .. مادامت لأحد قبلهم .. ولم تكن لهم دائمةستتركهم الحياة يحيكون مكائدهم .. ينسجون من مكرهم خيوطا لن تُلتف الا حول رقابهم...فى صالون قصر علام .. القصر الأشهر على الإطلاق بالعاصمة.. يتميز بأعمدته الفارهه وزينته الكلاسيكية .. غلب عليه لون الذهبصمم بإحترافية شديدة على يد أحد المصممين الإيطاليين المشهور بتصميماته المميزة ..اما عن ذلك الحائط المقابل لباب القصر الداخلى .. منقوش عليه صورة كاملة للقصر من الخارج كلوحة فنية عليهم الفخر بها ..جلس رؤوف علام وزوجته وعماد العائد من الخارج منذ وقت قصير ليجدهم يتسامرون فإنضم إليهم وجلس بجانب والدهلتهم أمه وتقول:- على فكرة حازم عايز يحدد الفرح وانا قولتله إنه لازم يجى يقولكم بنفسه..ترك رؤوف الجريدة من يده وتطلع لها بإهتمام وقال مستنكرا:- ليه هو كمان مش عايز يقولى؟!أشاحت له زيزى بيدها وقالت بتحفز:- سيبك من الكلام دة دلوقتى يا رؤوف .. ابنك لو محسس







