بيت / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الثالث والثلاثين

مشاركة

الفصل الثالث والثلاثين

last update تاريخ النشر: 2026-06-14 05:08:03

جايسون لارج

الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن.

الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمامًا تركيبة شخصيتي، باردة وبدائية.

كانت بشرتي البرونزية تتصبب عرقًا غزيرًا يلمع تحت الإضاءة القاسية، وعضلات جسدي الضخم تشتد بقسوةٍ مفرطةٍ مع كل لكمةٍ أوجهها إلى الجلد الميت للكيس المتأرجح أمامي.

بالنسبة لي، لم يكن التدريب في هذا الوقت الهادئ من الليل مجرد رفاهيةٍ عابرةٍ أو محاولةٍ للحفاظ على لياقةٍ بدنيةٍ، بل كان وسيلةً حيويةً ومدروسةً لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والحقد الدفين الذي يتراكم في صدري تجاه كل طبقة أثرياء لندن، وإخضاع هذا الجسد العضلي لقوانين القوة الخالصة بعيدًا عن زيف المكاتب.

قَطَع رنين هاتفي الخاص الموضوع على المقعد الخشبيِّ البعيد حبل تركيزي العنيف.

تراجعتُ خطوةً للخلف، وأنفاسي تتصاعد بصوتٍ متهدجٍ في الفراغ البارد، والتقطتُ الشاشة لأجد اسم "سام كوران" يضيء بزاويةٍ آمرةٍ تعكس سطوته المعتادة حتى قبل أن ينطق بكلمةٍ.

ضغطتُ على زر الرد ببرودٍ، وجاءني صوته الرخيم، الهادئ، والمليء بغطرسة النفوذ المطلق دون أن تسبقه أيُّ مقدماتٍ أو تحيةٍ عاديةٍ:

"جايسون، أريدك أن تتصل فورًا بشركة بول لتصليحات المنازل والخدمات السريعة، تبحث عن فريق سباكة مختصٍّ وتطلب منهم التوجه الآن، وفي هذه اللحظة، إلى منزل عمة مارال التي تعيش فيه، هناك مشكلةٌ حادةٌ في سباكة ومواسير البيت والساخن كذلك، وأريد تصليحها اليوم."

توقفتُ عن مسح العرق عن جبيني، وشعرتُ بتصلبٍ شديدٍ في ملامح وجهي الجامدة كالصخر، وأجبتُهُ بصوتي الخشن الجاف الذي يقطر عمليةً صارمةً:

"سام، شركة بول هي واحدةٌ من أكبر الشركات الإستراتيجية التي تعمل في هذا المجالر في لندن ولديهم جداول عملٍ ومواعيدٌ صارمةٌ تمتد لأسابيع؛ لا يمكنك استخدام نفوذ المؤسسة لاستدعائهم في منتصف الليل كحالة طوارئٍ شخصيةٍ تافهةٍ."

"أنا لا يهمني جدول مواعيدهم اللعين يا جايسون، ولا تعطيني دروسًا في كيفية إدارة الشركات الآن،" قاطعتني نبرة سام الباردة والقاطعة التي لا تقبل أيَّ مساحةٍ للجدال: "أريدهم هناك الآن، اتصل بالمدير التنفيذيِّ واجعل فريق الصيانة يتوجه إلى العنوان فورًا، هذا أمرٌ مستعجلٌ ولا يحتمل أيَّ تأجيلٍ، أريد كل شيء أن ينتهى الليلة."

ساد صمتٌ قصيرٌ وثقيلٌ على الخط، شعرتُ فيه بنبضات قلبي تتسارع ضيقًا من أسلوبه المتغطرس، وسألتُهُ ببرودٍ جليديٍّ محاوِلاً قراءة خفايا المشهد:

"هل أنت متواجدٌ معها في المنزل في هذه الساعة؟"

"أجل، أنا هنا معها، ولكننا لن نبقى، لدينا موعد."

أجابني سام ببساطةٍ بالغةٍ وثقةٍ مرعبةٍ.

عقدتُ حاجبيّ بذهولٍ ممتزجٍ ببرودٍ وسألتُهُ مستفسرًا بنبرةٍ جافةٍ:

"موعد! لماذا تخرج معها؟ لماذا تفعل كل هذا لأجلها؟"

"لأنني أريد ذلك ببساطةٍ."

أقرها سام بنبرةٍ حملت غطرسةً ملكيةً أنهت المكالمة بالكامل، ثم أغلق الخط في وجهي فجأةً دون انتظار أيِّ تعقيبٍ أو ردٍّ مني.

أنزلتُ الهاتف ببطءٍ، واشتعلت النيران في صدري وعينيّ السوداوين الحادتين.

شعرتُ بانزعاجٍ حادٍّ يصل إلى حدِّ الغثيان؛ فسام كوران لا يزال يعاملني كسكرتيرٍ خصوصيٍّ أو خادمٍ يملك أوقاته ويحرك خطوطه بأوامر مباغتةٍ لقضاء نزواته، وليس كمديرٍ ماليٍّ وشريكٍ خفيٍّ يدير أركان إمبراطورية عائلته بعقلٍ من حديدٍ ويحميها من الأنهيار المالي.

ضغطتُ على قبضة يدي بعنفٍ حتى ابيضت مفاصلي، وألقيتُ الهاتف على المقعد مجددًا، متمتمًا بوعيدٍ مظلمٍ في عتمة الصالة الباردة؛ دعه يستمتع ببريق نفوذه وسطوته الآن، فكل أمرٍ يلقيه عليّ بوقاحةٍ الليلة، هو سطرٌ إضافيٌّ في فاتورة الحساب المؤجلة التي سأدفعه إياها رغماً عن أنفه قريبًا.

أجريت عده اتصالات سريعة، وفي لمحة البصر تحرك أحد من الشركة للعنوان الذي أرسله لي، يكفي ذكر اسم كوران وكل شيء يفتح على مصرعيه.

تحركتُ ببطءٍ نحو زاوية الصالة حيث كان يجلس "مارك"، المدرب الشخصيُّ المسؤول عن إدارة الصالة، وهو رجلٌ ضخم البنية ذو ملامح قاسية بشرته برونزية أيضًا بفعل سنوات التدريب الشاق في أوساط الملاكمة الشعبية بالندى.

مارك هو أقرب شيء لصديق، صعدنا من حي فقير متواضع للغاية في منطقة فقيرة من لندن، يعرف أغلب تفاصيل حياتي السابقة وكذلك أنا، ماضي كلنا المظلم شيء يحاول كلانا التخلص منه ودفنه بعيدًا، لذلك حديثي معه كان صريح بالقدر المتاح، كأن كل واحد منا يخرج ما لا يمكن إخراجه أبدًا.

كان مارك يراقبني بصمتٍ منذ بداية تدريبي العنيف، ويستمع إلى نبرة صوتي المكتومة أثناء المكالمة مع سام. تقدم نحوي وناولني منشفةً قطنيةً نظيفةً، سخر بصوته الأجش الخفيض:

"يبدو أن رئيسك الصغير كوران لا يعرف كيف يفعل شيء دونك يا جايسون، ولا يتردد في إفساد ليلتك بأوامره المعتادة."

التقطتُ المنشفة ببرودٍ، ومسحتُ وجهي ورقبتي بخشونةٍ، ثم أجبتُهُ وعيناي السوداوان تحدقان في الفراغ:

"سام كوران يظن أن العالم بأكمله يدور في فلك رغباته الشخصية يا مارك، إنه يعتقد أن المال والنفوذ يمكنهما شراء الوقت وتطويع البشر لخدمة نزواته في أيِّ ساعةٍ من الليل، وهو على حق."

هز مارك رأسه بتفهمٍ، وسند ظهره العريض على عارضة الحديد يضيف بنبرةٍ تحمل سخريةً مبطنةً:

"هذا هو حال أولئك الذين ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهبٍ؛ لا يفهمون لغة الجداول أو التعب، بل يعرفون فقط كلمة الآن، ولكنك أذكى من أن تترك غطرسته تؤثر على هدوء عقلك وسيطرتك على نفسك."

ارتشفتُ رشفةً طويلةً من زجاجة المياه الباردة، وشعرتُ بالبرودة تخترق جوفي المشتعل غيظًا، وتمتمت بصوتٍ جافٍّ لا يحمل أيَّ تعبيرٍ عاطفيٍّ:

"أنا لا أترك العواطف تتحكم في مساراتي يا مارك، وأنت تعلم ذلك جيدًا؛ العواطف هي تشويش النفسيُّ وذلك نقطة الضعف الأولى التي تجعل سلوكيات البشر قابلةً للتوقع والتحكم، دعه يعتقد أنه يملك السطوة المطلقة الليلة، ويحرص على إرسال عمال الصيانة لإنقاذ مواسير بيت مارال؛ فكلما زاد شعوره بالأمان والسيطرة، كلما اتسعت الثغرات في نظام حياته المثاليِّ المصطنع."

"وماذا عن أخته تيا؟" سأل مارك فجأةً بعينين ضيقتين يملأهما فضولٌ ذكيٌّ: "سمعتُ أنه رغم الخسائر التي تتراكم بشكل يثير الشفقة إلا أنها بدأت بالخروج مع شخص من الدم الأزرق، هذه العائلة لا تتوقف عند حد."

تصلبت ملامحي لثانيةٍ واحدةٍ قبل أن ألتفت ببطءٍ نحو مارك، وأجبتُهُ بنبرةٍ قاطعةٍ حسمت الحوار تمامًا:

"تيا كوران بندٌ ماليٌّ خاسرٌ ومشتتٌ في سجلات المؤسسة، وهي تعيش على التنفس الاصطناعيِّ بفضل أموال وعلاقات أبيها وشقيقها، أنا أتعامل مع متجرها بالأرقام والتحليلات المالية فقط، ولا وقت لدي لتضييعه في ثرثرة عن دلعها الأرستقراطيِّ أو محاولاتها الساذجة للفت الانتباه بالخروج مع واحد من عاطلي فاشلين الطبقة النبيلة."

رميتُ المنشفة جانباً، وعدتُ بخطواتٍ ثابتةٍ وضخمةٍ نحو مقاعد الحديد الثقيلة؛ فوقت الراحة قد انتهت، وحان الوقت لإعادة إخضاع جسدي وعقلي للتدريب الشاق، مستمرًّا في نسج خيوط خطتي البطيئة والمظلمة في الظل، أعرف طريقي وأسير عليه دون أن أحيد أبدًا.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والأربعون

    سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والأربعون

    سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والأربعون

    سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والأربعون

    سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والأربعون

    الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس عشر

    سلرة كالعادة هربت من مشاعري، وتقوقعت في غرفتي أشاهد فيلم كلاسيكي آخر، معتادة الهروب من واقعي الكئيب نحو الخيال، لكن الفيلم لم يكن جيد، لم يجعلني أبتسم أو أحب الرومانسية التي يعرضها، كنت على وشك إغلاقه وقراءة شيئا ما إلا أن صوت رسائل "what's up" أوقفني، هذا التطبيق الوحيد الذي بقى صامتًا، نظرت في

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع عشر

    جذبت ذراعي منها بينما أصرخ فتركتني، ابتعدت خطوة أنتظر إجابة لَمَا يحدث، فلم يكتشفون أنني في المرحلة النهاية لمسابقة ملكة جمال انجلترا الآن. أشارت إيما نحو التلفاز بحماسها المبالغ: "كل برنامج تليفزيوني يتحدث عنكِ، يحاولون الاتصال بكِ، أنتِ في جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي؛ الجميع يتحدث عنكِ وعن

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث عشر

    سارة كوني مثل بيلا؛ هادئة جميلة ضعيفة وفقيرة وسوف تحصلين على إدوارد كولن لتصبحي مصاصة دماء مثله! الطبيعة هي الأفضل، عليكِ حب نفسك كما هي لأنكِ جميلة؛ ولكن عليكِ استخدام كل المنتجات التي أعلن عنها لتحصلي على بشرة ناعمة لامعه، وشعر أفضل وجسد أفضل وثياب أفضل.. أنتِ قبيحة؟ اهتمي بنفسك قليلًا وإلا ست

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني عشر

    الفصل السادس: سارة لا تحتاج أن تكون أفضل في أي شيء، بل تحتاج أن تكون ذكي لتنجح. الحياة ليسَت عادلة؛ البشرية قد برهنت على ذلك قبل ما أن تبدأ، تقبل ذلك وستعرف حينها ما عليك فعله. طلبت من مديري المباشر أن أغادر باكرًا اليوم، ولسجلي الخالي من التأخير والذهاب المبكر والعطلات التي لا أخذها وساعات

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status